|
سلسلة دراسات من ذاكرة التاريخ ( الحلقة السابعة ) الكرد في أسطورة الضحّاك / الأزدهاق: (2- بحث عن الحقيقة)
|
|
|
الإله مولوخ جاء في كتب التاريخ أن الإله الفينيقي بَعْل مُولُوخ (مُولُوك) كان شَرِهاً إلى الدماء، مُغرَماً بالقرابين البشرية، وخاصة الأطفال، إن حرقهم على مذبحه كان يرضيه، فيُنزل بركاته على أتباعه، ولمّا استولى الآشوريون على العاصمة الفينيقية صُور (في جنوبي لبنان)، في عهد الملك الفينيقي بيجماليون (820 – 774 ق.م)، رحل بعض الفينيقيين إلى شمالي إفريقيا، واستقروا في شمالي تونس، وأسسوا هناك مدينة قرطاجة (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج 1، ص 76). ونقل الكهنة الفينيقيون معهم إلههم بَعْل مولوخ إلى قرطاجة، وكان من البديهي أن تنتقل معه طقوسه أيضاً، ومنها حرق الأطفال، ولما حاصر الجيش الروماني قرطاجة سنة (307 ق.م) أُحرق على مذبح الإله مولوخ مئتا غلام من أبناء أرقى أسر المدينة، وأقيم احتفال فخم بهذه المناسبة، وكي لا يسمع الآباء والأمهات وبقية الجمهور صراخ الأطفال وهم يحترقون، رتّب الكهنة فرقة موسيقية، تقوم بالدق على الطبول والنفخ في المزامير، فضاعت صرخات الأطفال وسط ذلك الضجيج والعجيج. (ول ديورانت: قصة الحضارة، ج 2، ص 61). والغريب أن فريقاً من منتجي الثقافة في العهود الإسلامية كانوا يمارسون- من حيث يدرون ولا يدرون- نهجاً شبيهاً بما كان ينهجه كهنة الإله مولوخ، وكان ذلك النهج يؤدي في النهاية إلى اغتيال الحقائق بعيداً عن الأنظار والأسماع، وتحت ستار كثيف من الضجيج والعجيج، وهذا النهج واضح الملامح في مجال التفسير والتاريخ واللغة والأدب وبعض كتب البلدان. آليّات التَّعْمِية ويعتمد ذلك الفريق آليّات التعمية الآتية، وخاصة في مجال التاريخ: 1 - الآلية الأولى: هي مواجهة المتلقّي- سامعاً كان أم قارئاً- بضخامة (الكم) أقصد (تنفيخ) الكتاب، فيجد القارئ نفسه دفعة واحدة أمام عدد من المجلدات الضخمة، فيشعر للوهلة الأولى أن السيطرة على هذا (الجبل) المعلوماتي الهائل أمر في غاية الصعوبة؛ إذ من أين له الوقت الكافي لتقليب جميع تلك الصفحات الكثيرة؟ ومن أين له الصبر والجَلَد على فهم واستيعاب تلك المعلومات الغزيرة؟ وتؤدي هذه الآلية وظيفة تهيئة المتلقّي نفسياً لـ(التفكير في الاستسلام). 2 - الآلية الثانية: هي مواجهة المتلقّي بكومة من الروايات، يأخذ بعضها برقاب بعض، ويُنسي آخرُها أوّلَها، وتحوّل هذه الآلية المتلقّي من وضعية (التفكير في الاستسلام) إلى وضعية (الرغبة في الاستسلام)؛ إذ يجد نفسه- وهو يتعامل مع الكتاب الواحد ذي المجلدات العديدة- أمام حشد من الروايات المتداخلة، والمتشابهة حيناً والمتعارضة حيناً آخر، وكثير منها يبدأ بعبارات غامضة عائمة، أبرزها: (زعموا، وفي رواية، وقيل، ويقال، وقالوا، وقال آخرون، وقال بعضهم، وقال بعض الناس، ومن الناس من رأى، ومما رُوي عن السَّلَف، إلخ). وفوق هذا فإن المؤرخ يعمد إلى تخدير وعي المتلقّي، وإيهامه بأنه يقرأ معلومات موثَّقة، لا سبيل إلى الشك فيها، ولا سيّما حينما يذكر أسماء الرواة، ولنستشهد على سبيل المثال بنهج الطَّبَري في تاريخه، فالرجل أكثر مؤرخي القرن الثالث الهجري حرصاً على توثيق المعلومات، وتمسكاً بالأمانة العلمية، ورغبةً في كسب ثقة القارئ، وكان عُمدة المؤرخين المسلمين بعده، وإليكم بعض مرويّاته: قال بشأن خَلق الشمس والقمر: " أما ابن عبّاس فرُوي عنه أنه قال: خلق الله يومَ الجمعة الشمسَ والقمرَ والنجومَ والملائكةَ إلى ثلاث ساعات بقيتْ منه. حدّثنا بذلك هنّاد بن السَّرِيّ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عَيّاش، عن أبى سَعْد البقّال، عن عِكْرِمَة، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم ". (تاريخ الطبري، ج1، ص 63). لاحظوا هنا ما يلي: اعتماد أسلوب (العَنْعَنَة) المتّبَع في روايات الحديث النبوي، ويظهر ابن عبّاس (ابن عم النبي) في سلسلة السند، ويرفع ابن عباس الرواية إلى النبي، وهذا يعني أن الرواية حديث نبوي، وبالعودة إلى كتب الحديث النبوي، ولا سيما الكتب المعتمَدة منها (صحيح البُخاري، صحيح مُسْلِم، سُنَن النَّسائي، سُنن داود، سُنن ابن ماجَة، سُنن التِّرْمِذي)، لا نجد فيها أيّ حديث يتعلق بخَلق الشمس والقمر يوم الجمعة، ثم لاحظوا الإيهام بالدقة العلمية، فالخَلق لم يكن يوم الجمعة فقط، بل تم قبل انقضاء ذلك اليوم بثلاث ساعات. وبعد أن يجد المتلقّي أن الرواية هي حديث نبوي، وأن في سندها الصحابي الشهير ابن عبّاس، وبعد أن يجد نفسه أمام هذه الشبكة المُحكَمة النسج، ويتعرض لهذا القصف الديني المركَّز، كيف لا يرفع راية الاستسلام؟ ومن أين له أن يفكر حينئذ بأن وجود الأيام والساعات لم يكن إلا بعد خلق الشمس والقمر، وأن من المحال أن يوجد يوم الجمعة قبل وجود الشمس نفسها؟ ثم من أين للمتلقّي أن يعرف حقيقة (عِكْرِمة) الذي يحتكر نقل هذه الروايات عن ابن عبّاس؟ من أين له أن يعرف أن عِكرمة هذا كان عبداً من شعب الأمازيغ (البربر) يُباع ويُشترى ويُهدى، وأوّل ما فعله ابن عبّاس أنه جرّده من اسمه الأصلي، وفرض عليه اسماً عربياً، ثم علّمه ليوظّف قدراته بعدئذ في إذاعة رواياته وترويجها بين المسلمين على مر الأجيال، ولم يُعتقه ابن عبّاس، وظل يستثمر قدراته إلى آخر لحظة، وإليكم ما قاله ابن خَلِّكان في هذا الصدد: " أبو عبد الله عِكْرِمة بن عبد الله، مَوْلى عبد الله بن عبّاس، رضي الله عنهما؛ أصله من البَربر من أهل المغرب، كان لحُصَيْن بن الحُرّ العَنْبَري، فوهبه لابن عبّاس رضي الله عنهما، حين وَلِيَ البَصْرة لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، واجتهد ابن عبّاس في تعليمه القرآن والسُّنَن، وسمّاه بأسماء العرب ". (وفيات الأعيان، ج 3، ص 265). وأضاف ابن خلّكان قائلاً: " ومات مولاه ابن عبّاس وعِكرمة على الرِّقّ [= العبودية]، ولم يُعتقه، فباعه ولده عليّ بن عبد الله بن عبّاس من خالد بن يَزيد بن مُعاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى عِكرمة مولاه عليّاً، فقال له: ما خِيرَ لك، بِعتََ علمَ أبيك بأربعة آلاف دينار؟! فاستقاله وأقاله وأعتقه. وقال عبد الله بن الحارث: دخلت على عليّ بن عبد الله بن عبّاس وعِكرمة مُوثَقٌ على باب كَنِيف [= بيت الخلاء، مرحاض]، فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟! قال: إنّ هذا يكذب على أبي ". (وفيات الأعيان، ج 3، ص 265 - 366). وكيف لا يفقد المتلقّي توازنه بعد أن يسمع الأقوال المتضاربة التي جاءت في وصف عكرمة، وإليكم بعض ما قيل فيه: " قال أبو خَلف عبد الله بن عيسى الخَزّاز، عن يحيى البَكّاء: سمعت ابن عمر [= عبد الله بن عمر بن الخطّاب] يقول لنافع [= مولى دَيْلَميّ، أصابه عبد الله بن عمر في غزوة]: لا تكذبْ عليّ كما كذب عِكرمة على ابن عبّاس ". (الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 5، ص 22). - " عن عثمان بن حَكِيم قال: كنت جالساً مع أبي أُمامة بن سَهْل، إذ جاء عِكرمة، فقال: يا أبا أُمامة، أذكرك اللهَ، هل سمعتَ ابن عبّاس يقول: ما حدّثكم عني عِكرمة فصدّقوه، فإنه لم يكذب عليّ؟ فقال أبو أُمامة: نعم ". (الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 5، ص 16). - " قال أيوب، عن عمرو بن دِينار: دَفَع إليّ جابر بن زَيد مسائل، أسألُ عِكرمة، وجعل يقول: هذا عِكرمة مولى ابن عبّاس، هذا البحرُ فسَلُوه ". (الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 5، ص 16). - عن " ابن عُيَيْنَة، عن عمرو سمع أبا الشَعْثاء يقول: هذا عِكْرمةُ مولى ابن عبّاس، هذا أعلمُ الناس ". (الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 5، ص 16). وإليكم مثلاً آخر من (تاريخ الطبري) بشأن حَوّاء: " وحدَّثنا ابن حُمَيْد، قال: حدّثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحُصَيْن، عن عِكْرِمَة، عن ابن عبّاس، قال: كانت حَوّاء تلد لآدم، فتُعبّدُهم اللهَ عزّ وجلّ، وتسمّيهم عبدَ الله وعُبَيْدَ الله ونحوَ ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليسُ وآدمَ عليه السلام، فقال: إنكما لو تسمّيانه بغير الذي تسمّيانه به لعاش. فولدتْ له ذكراً، فسمّياه عبدَ الحارث، ففيه أنزل الله عزّ ذكره، يقول الله عز وجلّ: (هو الذي خَلَقَكُمْ مِن نَفسٍ واحدةٍ) إلى قوله (جَعَلا له شُرَكاءَ فيما آتاهما) إلى آخر الآية ". (تاريخ الطبري، ج1، ص 148- 149). لاحظوا هنا ظهور نهج (العَنْعَنة) مرة ثانية، ومرة أخرى يظهر في المشهد ابن عبّاس ومولاه عِكرمة، بل إن هذه الرواية تستظل بآية قرآنية أيضاً، فتصبح أكثر هيمنة على وعي المتلقّي المسلم، وأمام هذا كله من أين للمتلقّي التفكير في مسألة أن اللغة العربية لم تكن موجودة أيام آدم وحوّاء؟ فكيف كانت تسمّي أبناءها (عبد الله، عبيد الله، عبد الحارث) وهي أسماء عربية؟ 3 - الآلية الثالثة: هي الخلط بين الواقع والأسطورة، فحينما يجتاز المتلقّي بوّابة المعلومة، ويبدأ التَّجوال في رحابها، يجد نفسه أمام مزيج عجيب من الأخبار والأحداث، فيها ما هو واقعي، لكن قسماً مهماً مما هو واقعي أُلبس عباءات الأساطير والشطحات والخوارق، فأصبح أشبه بالعجائب؛ وحسبنا أن نعود إلى بعض كتب التاريخ في العهود الإسلامية، لنرى فيها كثيراً من الشواهد على التداخل بين الأسطورة والواقع، وخاصة في مجال الأخبار المتعلقة بقصة الخَلق والطوفان وتواريخ بعض الملوك القدماء. والخلاصة أن المتلقّي يجد نفسه منبهراً بما يقرأ من جهة، ومذهولاً من جهة ثانية، وعاجزاً عن تدقيق النظر في أكوام الروايات من جهة ثالثة، وعاجزاً عن فكّ الاشتباك بين الروايات المتعارضة من جهة رابعة، ويصبح في النهاية بين أحد أمرين: إما التسليم بما قرأ، وإما السكوت على مضض. وبطبيعة الحال ثمة خيار ثالث، وهو عدم التسليم وعدم السكوت، والإصرار على سماع صرخات الأطفال وهم يحترقون، أقصد الإصرار على معرفة الحقائق، لكن لهذا الخيار ضريبة باهظة جداً من العناء والصبر والوقت. وكلما قرأت قصص آدم ونوح وإبراهيم ونَمُْرود وزَرْدَشت وبُخْتُنَصَّر، وقصص أشباههم من الأنبياء والملوك والمشاهير، في مصادر التراث الإسلامي، وجدت نفسي أمام ذَينك الخيارين الصعبين. وأعلم أنني أنفق بعض الوقت في أمور قد تبدو خارج نطاق موضوعنا الأساسي (الكرد في التراث الإسلامي)، وأعرّج بين حين وآخر إلى قضايا تتعلق بطرائق تشكّل التراث الثقافي الإسلامي، وتتناول آليات تدوينه وتناقله، لكن أعتقد أن فهم تلك الطرائق والآليات، وتفكيك بناها، وإخضاعها للنقد الموضوعي، هو المدخل الصحيح إلى فهم حقيقة كثير من المعلومات الواردة في مصادر التراث الإسلامي، وتمييز الصواب من الخطأ، وهو المنهج الصائب إلى قراءة تراث غربي آسيا، وإعادة كتابته بشكل صحيح. عَود إلى قصة الضحّاك ودعونا نتوجّه من جديد إلى قصة الضحّاك (الأزدهاق)، وهذا يقتضي منا القيام بجولة سريعة في خريطة الأنساب الآريانية حسبما رسمتها النخبة الفارسية قبل الإسلام، وحسبما أُحييت منذ القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) على يدي ابن المقفَّع وأمثاله من أساطين الثقافة الفارسية. وبعد أن استعرضنا أبرز الروايات المتعلقة بقصة الضحّاك (بيوَراسْب، بيوَراسْف، أَزْدهاق، أَزْدهاك) في الحلقة السابقة، وهي لسبعة من كبار المؤرخين والجغرافيين والموسوعيين، يغطّي حضورهم حوالي خمسة قرون من العهود الإسلامية، وبعضهم فرس أقحاح، وبعضهم خبراء في الثقافة الفارسية، نخرج بالنتائج الآتية: 1 – خمسة من الرواة لم يذكروا الكرد قطّ في قصة الضحّاك، وفيهم أربعة ممّن يصحّ الاحتجاج بآرائهم، وهم: الطَّبَري، والهَمَذاني، والفِرْدَوسي، وابن الأَثير، مع الأخذ في الاعتبار أن روايات الفردوسي في (شاهنامه) هي خلاصة عدد مهم من المصادر الخاصة بالتاريخ الفارسي قبل الإسلام. 2 – أقدم الروايات التي نسبت الكرد إلى عتقاء الضحّاك تعود إلى ابن قُتَيْبَة الدِّينَوَري، وهو أديب ونحوي ولغوي، وليس من المتخصصين في التاريخ، ثم إن الرجل برّأ ذمّته بأن نسب الرواية إلى الفرس (العجم). 3 – الرواية الثانية التي نسبت الكرد إلى عتقاء الضحّاك أوردها المَسْعودي، لكنه دلّل على بطلانها حينما نسب الكرد إلى فرع رَبيعة بن نِزار من العرب العدنانيين (عرب الشمال). 4 – أغلب الروايات التي تتضمن قصة الضحّاك ترجع إلى مصادر فارسية، وتستقي من الذاكرة الفارسية، وفي سلسلة رواتها مؤرخ عربي وحيد، إنه هشام بن محمد بن السائب الكَلْبي، وسبق أن مر في ثَبْت المؤرخين (الحلقة 6 من هذه السلسلة) أنه كان يقتبس معلوماته في هذا المجال من مصادر فارسية ومسيحية نسطورية في مدينة الحِيرة، وليس من مصادر عربية. 5 – إن من أورد من المتأخرين روايات تنسب الكرد إلى نسل عتقاء الضحّاك، من أمثال المَقْدِسي (مطهّر بن طاهر ت بعد 355 هـ = بعد 966 م)، في كتابه (البدء والتاريخ)، والمقْرِيزي (ت 845 هـ = 1442 م) في كتابه (السلوك لمعرفة دول الملوك)، وشَرَف خان بَدْليسي (ت 1013 هـ = 1604 م) في كتابه (شرف نامه)، إنما كانوا يقتبسون مما جاء في الروايات الفارسية، ثم إنهم كانوا يستخدمون عبارات توحي بالشك في تلك الروايات. 6 – إذا سلّمنا بأن الضحّاك شخصية حقيقية، وأن (الأكراد) من عتقائه، تواجهنا إشكالية جغرافية؛ فالروايات التي ذكرت قصة الضحّاك بالتفصيل أكّدت أن وزيره كان يأمر العتقاء بالذهاب إلى جبل دُنباوَنْد (دُماوَنْد= دَباوَنْد) والإقامة فيه، والحقيقة أن هذا الجبل يقع بين مدينة (رَيْ) غرباً (آثارها قرب طهران الآن) ومنطقة طَبَرِستان شرقاً، وهي مناطق كان يسكنها شعب (الدَّيْلَم)، وليس الكرد. (انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص 540 - 541). أضف إلى هذا أن قصة الضحّاك- بهذه الكيفية الغريبة- هي من نسج الخيال الفارسي، وتستحق أن تُصنَّف بجدارة في قائمة الأساطير، وهذا واضح للعيان في مُجريات الأحداث، وهي – أقصد قصة الضحّاك- جزء من خريطة الأنساب التي اختلقتها النخبة الفارسية، بقصد تأصيل الحضور الفارسي في التاريخ، وتمجيد الفرس، وإظهارهم بأنهم أصحاب الفضل في إهداء الحضارة إلى العالم على يدي أُوشهنج (أُوشهنگ، هُوشَنْگ)، وجَمْشيد (جمشيذ)، ولسحب البساط من تحت أقدام بقية الشعوب الآريانية (الآرية) في غربي آسيا، مثل الكرد والبُلُوش والأفغان، وهذا يعني ضمناً أن الفرع الفارسي هو الأجدر بحكم العالم. إن خريطة الأنساب الفارسية هذه تذكّر المرء رغماً عنه بخريطة الأنساب العبرانية الواردة في التوراة، تلك الخريطة التي تهيمن عليها الأَسْطَرة، والتي تحرص على تأصيل الفرع العبراني وتمجيده ديناً ودنيا، على حساب الفروع السامية الأخرى، كالعرب والسُّريان والكِلْدان وغيرهم، وهذا يعني ضمناً أنه الفرع المختار من الله، والأجدر بالهيمنة على سائر الشعوب. أَبْلَسة أستياگ الميدي ثم لا ننس ظاهرة خطيرة في بعض ثقافات غربي آسيا، ولعلها من أكثر الظاهرات خطورة في تاريخ الشعوب الغرب آسيوية، وأكثرها سبباً في جرّ تلك الشعوب إلى الخصومات والحروب والمآسي، وتتلخص تلك الظاهرة في أن تلك الثقافات التوسعية المنطلَقات لا تؤمن لا بالتجاور ولا بالتحاور، وإنما تقوم في الأصل على (إلغاء الآخر)، وهي تنشئ بموازاة مشروعها التوسعي مشروعاً آخر، يهدف إلى شَيْطَنة (أَبْلَسة) الثقافات التي تخالفها أو تعارضها، وكما هي العادة منذ أربعة آلاف عام على الأقل يستظل المشروعان معاً (مشروع التوسّع ومشروع الشيطنة) باسم أحد الآلهة (مَرْدُوخ، آشُور، بَعْل، أَهُورامَزْدا، إيل، إيلُوهِيم، الله). وبتكريس مشروع (الشَّيطنة) تصبح الثقافة المخالفة شيطانية (إبليسية)؛ أي أنها تصبح رجساً يجب القضاء عليه، ومن الطبيعي والحال هذه أن تنسحب صفة الشَّيْطنة (الأَبْلَسة) على أتباع الثقافة المخالفة، فيصبحون بدورهم شياطين (أبالسة) يجب القضاء عليهم، أو على الأقل إخراجهم من دائرة التاريخ، بتحويلهم إلى مجرد أرقاء لأتباع (الثقافة المقدسة). وفي إطار هذه الظاهرة تصبح حقيقة أسطورة الضّحاك (أزدهاك) أكثر وضوحاً، فالنخبة الفارسية- مثقفين وساسةً- كانت توظّف أسطورة الضحّاك (أزدهاك) في كل عصر بما يخدم أهدافها الستراتيجية، وكانت تلك الأهداف تتلخّص في إزاحة القوى الكبرى الأخرى الموجودة على الساحة الغرب آسيوية، والسيطرة على مقدَّرات غربي آسيا أرضاً وشعوباً وثروات. وواضح من المعلومات التي أوردها المؤرخ الأرمني موسى خُورني أن أزدهاك هو (أستياگ)، ملك ميديا الأخير، ويسمّى (أستياگز) Astuages أيضاً، ويسمّيه هيرودوت (أستياجيس)، ولاحظوا سهولة التبادلات الصوتية بين حرفي (س، ز)، وحرفي (ت، د)، وحرفي (هـ، ي)، ورغم أن هذا الملك الميدي كان قد تزوّج أخت الملك الأرمني تيگران (ديگران)، فإن هذا الأخير تعاون مع الملك الفارسي الأخميني كورش الثاني للقضاء على حكم أستياگ. (انظر دياكونوف: ميديا، ص 333. طه باقر وآخران: تاريخ إيران القديم، ص 41 - 42). وهذا يعني أن النخبة الفارسية التي كانت تابعة للدولة الميدية، عندما قررت القضاء على الملك الميدي، وإزاحته عن طريق المشروع الفارسي، والسيطرة على إمبراطورية ميديا، عمدت إلى شَيْطنة (أبلسة) أستياگ، عبر التجسير اللغوي بين اسمه ولقب أزدهاك (أژدهاك= أژدها= التنّين). وفي إطار مشروع شيطنة أستياگ حيكت قصة الحلم الذي رآه أستياگ في منامه، وخوفُه من أن يقضي عليه حفيده المتوقَّع ولادته (ابن تابعه قَمْبيز الأخميني من ابنته مانْدانا)، وقسوتُه حينما استقدم ابنته مع طفلها إلى القصر، ثم تكليفُه كبير قادة الجيش الميدي هارباگ (آرباگ= آر پاك) بقتل الطفل، ولما اكتشف أن هارباگ قصّر في تنفيذ المهمّة، طلب من الراعي مِيثْرادات إرسال الصبي كورش إلى القصر الملكي، ثم طلب من هارباگ إرسال ابنه الصبي ليلاعب كورش، ثم أمر بقتل ابن هارباگ وطبْخه، وتقديمه طعاماً لوالده، وبعد أن شبع الوالد من لحم ولده، أخبره أستياگ أنه كان يأكل لحم ولده، جزاء له على خيانته في تنفيذ المهمة التي أُوكلت إليه (انظر تاريخ هيرودوت، ص 82 - 88). وبعد تقديم أستياگ الميدي بهذه الصورة الوحشية المنفّرة المقزّزة كيف لا يتحوّل في الذاكرة الشعبية إلى شخص مقيت وشرير؛ أي إلى شيطان (إبليس)؟ ومن يجرؤ على التعاطف معه؟ وكيف يمكن الدفاع عنه؟ وكيف يمكن لأتباعه الميديين (جدود الكرد) أن يكونوا بمنجاة من تُهمة أنهم أتباع رجل دموي شرير عمل بنصيحة إبليس؟ وكيف يمكن أن يكونوا بمنأى من (الانتقام المقدس)؟ أَبْلَسة الضحّاك العربي حسناً، لقد عمدت الآلة الدعائية الفارسية إلى تحويل أستياگ إلى (أزدهاك= أژدها) في الذاكرة الآريانية خاصة، وفي الذاكرة الغرب آسيوية عامة، بل وفي تاريخ البشرية أيضاً، لكن ما علاقة (الضحّاك) العربي بهذا المسألة؟ لا يمكن فهم مسألة إقحام (الضحّاك) العربي في هذه الأسطورة ما لم نأخذ في الحسبان الظروف التاريخية التي نسج فيها الفِرْدَوسي، ومن سبقه من الشعراء الفرس مثل الدَّقيقي وغيره، خيوط هذه الأسطورة، فقد مر في (الحلقة السادسة من هذه السلسلة) أن الذاكرة الفارسية، حوالي منتصف الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، كانت ما تزال عامرة بأمجاد الدُّول الفارسية قبل الإسلام، وصحيح أن العرب المسلمين أسقطوا الدولة الساسانية، وورثوا ممتلكاتها من حدود الهند والصين شرقاً إلى تخوم شبه الجزيرة العربية غرباً، لكن كان من المُحال تفريغ الذاكرة الفارسية من أمجادها القومية. وبمجرد أن ظهرت الدول الفارسية المستقلة ( الدولة الطاهرية، الدولة الصُّفّارية، الدولة السامانية) في بلاد إيران، خلال القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، هيّأ الساسة الفرس المناخ كي تنشط النخبة المثقفة، وتعيد إحياء ما بقي في الذاكرة الفارسية من رواسب التاريخ القومي، وبما أن ذلك التاريخ كان قد تأسس منذ فجر عصر التكوين على الأساطير- وهذه حقيقة تؤكدها الشاهنامة بوضوح- كان من الطبيعي أن يعاد إحياء تلك الأساطير، وأن تُوظَّف مرة أخرى بما يخدم المشروع القومي الفارسي الناهض. لكن من هي الجهة التي كانت تقف عائقاً في طريق المشروع الفارسي في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)؟ إنها الدولة العربية الإسلامية، ممثَّلة في الخلافة العباسية؛ فكان لا بد – والحال هذه- من تكريس مشروع لشَيْطنة العرب هذه المرة، وكان لا بد من أن تعاد صياغة أسطورة (أژدها= أژدهاك) بما يتناسب مع المشروع الجديد، وفي كل مرة يجد القائمون على مشروع الشيطنة (الأبلسة) آليات كفيلة بتحقيق الأهداف المرسومة، وهذه المرة كان التجسير اللغوي بين الاسم العربي (الضحّاك) واللقب الآرياني (أزدهاك= أزدهاق) هي الآلية المناسبة، وبطبيعة الحال لا يهم صاحب الذهنية الأسطورية أن تتعارض رواياته مع الواقع، فبالنسبة له (الأسطورة) هي (الواقع). ولتكن رواية الفِرْدوسي هي مصدرنا لتفحّص مشروع شيطنة (أبلسة) العرب، فقد أصبح جَمْشيذ (جمشيد) بن طَهْمُورت بن أُوشهنج (هُوشَنْگ) بن سيامك بن جيُومرت (گيُومرت) هو الملك الرابع الأكبر في سلسلة ملوك الفرس الأوائل، واستكمل جهود والده طهمورت وجدّه أوشهنج في نشر الحضارة، قال الفردوسي يصف حال جمشيد: " فلما استكمل جميع أسباب العز والرخاء، تجبّر وتكبّر وتسلّط، وتخلّى عن المعونة الإلهية، فاضطرب حكمه، وعمّت الفوضى، ودبّ الذعر، وانتشر الفساد، وهرب العلماء والحكماء، وارتجّت بذلك الأرض والسماء ". (الفردوسي: الشاهنامه، ص 10). وماذا كانت النتيجة؟ " انشقّ ملوك الفرس أجمعون عن طاعة ملكهم الأكبر، واستبدّوا في الرأي والمُلك، واجتمعوا إلى الضحّاك ابن ملك العرب، ليخلّصهم من جمشيذ، فما كان منه إلا أن نصب نفسه ملكاً عليهم، وقصد جمشيذ الذي هرب إلى أرض الهند، واختفى ليظهر بعد مرور مئة سنة، فقصده الضحّاك ثانية، وقضى عليه، آمراً قتله بالمنشار بعد حكم دام سبعمئة سنة ". (الفردوسي: الشاهنامه، ص 10). ومن هو الضحّاك؟ " أما الضحّاك فهذا لقبه، وهو بيوَراسْب بن مِرْداس ملك العرب الذي عُرف بصلاح حكمه، وحبه لشعبه، وهو شابّ يقتني آلاف الخيل المُسرَجة بسروج الذهب والفضة، والمرصَّعة بالجواهر الثمينة، يحب اللهو والطرب والصيد والطَرْد، وكان له من الجن خادم يُدعى إبليس ". (الفردوسي: الشاهنامه، ص 10 - 11). وإذا سألنا الفردوسي: متى وقعت تلك الأحداث؟ ولماذا أسرع ملوك فارس إلى وضع أنفسهم تحت إمرة ملك عربي للخلاص من جمشيذ، وليس تحت إمرة زعيم فارسي؟ وأين كان الملك العربي مِرْداس يحكم حينذاك؟ فالمعروف أن الملوك لم يوجدوا في بلاد العرب قبل الميلاد إلا في اليمن، وكان ذلك حوالي ألف سنة قبل الميلاد، مع ظهور دولة مَعِين ودولة قَتَبان، ثم دولة سَبَأ، ثم دولة حِمْيَر (صالح أحمد العلي: تاريخ العرب القديم والبعثة النبوية، ص 21، 33. منذر عبد الكريم: دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 216)، في حين تعود أحداث قصة (الضحّاك) إلى فجر التاريخ البشري. ثم كيف يكون الملك عربياً ويكون اسمه آريانياً فارسياً (بيوَراسْب) أي صاحب عشرة آلاف فرس؟ إن الفردوسي غير معنيّ بالإجابة عن هذه الأسئلة، فباعتباره أحد كبار قادة إيقاظ الروح القومية الفارسية يهمّه أن يوصل الحاضر بالماضي في الذاكرة الفارسية، ويعمل لتحرير الشخصية الفارسية من سلطة الثقافة العربية، عبر شيطنة ( أَبْلَسة) تلك الثقافة، فكان من الضروري استنساخ أزدهاك (أژدها) عربي في شخص (الضحّاك) من الأزدهاك الآرياني الذي كان الملك الميدي (أستياگ) آخر تجلّياته، وكان من الضروري أيضاً تحويل الضحّاك العربي إلى كائن إبليسي دموي، يوظّف أدمغة البشر لخلاصه الشخصي، وكي تتخلّص الشعوب من دموية الضحّاك العربي لا يكون ذلك على يدي منقذ عربي، وإنما يكون المنقذ فارسيّاً من سلالة جمشيد؛ إنه الفتى أفريدون، بتأييد من الفارسي الأصبهاني كاوَه الحداد. ولا يحتاج المرء إلى كثير عناء لاكتشاف أوجه الشبه بين المحاور الأساسية في أسطورة الأزدهاك الميدي (أستياگ)، والمحاور الأساسية في أسطورة الأزدهاك العربي (الضحّاك)، ففي القرن السادس قبل الميلاد كان المطلوب إزاحة أستياگ من العرش الميدي؛ لفتح الطريق أمام المشروع التوسعي الفارسي. وفي القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) كان من الضروري إزاحة الأزدهاك العربي (الضحّاك)؛ أي السلطة العربية متمثّلة في (الخلافة)؛ لإحياء المشروع القومي الفارسي بأبعاده الإمبراطورية. وإليكم بعض المقاربات في هذا الشأن: · كان أستياگ الميدي ملكاً طيباً، ثم تحوّل إلى طاغية. وكذلك كان شأن الضحّاك العربي. · كان أستياگ الميدي كثير الغنى والبذخ، يمتلك آلاف الخيول، محباً للهو والطرب. وكذلك كان الضحّاك العربي. · رأى أستياگ الميدي حلماً غريباً فسّره له المنجّمون بأن حفيده الفارسي من ابنته ماندانا سيجرده من السلطة، ويحكم بدلاً منه. وكذلك رأى الضحّاك العربي حلماً غريباً، فسّره المنجّمون بأن طفلاً من سلالة جمشيذ الفارسي سيولد، وسيحكم بدلاًَ منه. · حاول أستياگ الميدي قتل حفيده الفارسي فور ولادته. وحاول الضحّاك العربي قتل الطفل أفريدون الفارسي فور ولادته. · تدخّلت الأقدار، وأنقذت الطفل كورش الفارسي من القتل، وصار صبياً تظهر أمارات المُلك في ملامحه وتصرفاته. وكذلك نجا الطفل أفريدون من القتل، وظهرت عليه أمارات المُلك منذ الصغر. · كان القائد الميدي هارباگ يتعاون سراً مع كورش، ويتآمر على سيّده أستياگ. وفي الشاهنامة مؤشّرات على أن كندرو وزير الضحّاك كان متعاوناً في السر مع أفريدون، ومن تلك المؤشرات قول الفردوسي: " جلس أفريدون على عرش الضحّاك بين معاونيه وجواريه، ودخل عليه وزير الضحّاك كندرو، فخرّ ساجداً بين يديه، وأطلق لسانه بالدعاء لاستدامة مُلكه العليّ، وتحادثا طويلاً عمّا قاساه الناس من ظلم الضحّاك ". (الفردوسي: الشاهنامه، ص 17 - 18). · لما انتصر كورش على أستياگ لم يقتله، واكتفى بإبعاده إلى مقاطعة هركانيا، ووضعه تحت الإقامة الجبرية. ولما انتصر أفريدون على الضحّاك سجنه في جبل دُنباوَنْد. بحث عن الحقيقة وكنت أتذكر- وأنا أقرأ أسطورة أزدهاك في الشاهنامه وغيرها- تلك الرواية الشعبية الشائعة بين الشعوب الآريانية، ومنهم الكرد، بشأن الملك المستبد (دهاك)، والبطل الثائر (كاوَه) الحداد، وارتباط تلك الثورة بعيد نَوْرُوز (نُورُوژ) الذي تحتفل به جميع الشعوب الآريانية في (21) آذار/ مارس من كل عام، باعتبار أنه اليوم الذي تم فيه الخلاص من ظلم (دهاك)، وإيقاد النيران مساء ذلك اليوم على قمم الجبال وفي المرتفعات، إما كإشارة لإعلان الثورة، وإما استبشاراً بانتصار الثورة، وهذا ما لم يُذكر في الروايات السابقة. بلى لست أنسى هذا كله، ولست أنكر أن الخطوط العامة للرواية الشعبية السائدة شبيهة إلى حد كبير بما ورد في المصادر الفارسية، وأرى من الصعب أن تتفق الشعوب الآريانية جميعها، وطوال عشرات القرون، على الاحتفال بحدث لا علاقة له بالحقيقة مطلقاً، وينبغي ألا نرمي بهذه القصة وراء ظهورنا، فإنها لا تخلو من دلالات تاريخية، ومن رموز ميثولوجية، لها صلة بفجر تاريخ الشعوب الآريانية، وجدير بالاهتمام ها هنا أن نأخذ في الحسبان الأمور الآتية: · موقع (النار) في الميثولوجيا الآريانية بشكل عام من جهة، ومكانتها في الديانة الزردشتية سليلة تلك الميثولوجيا من جهة ثانية. · مكانة (الشمس) في الميثولوجيا الآريانية (الميثرائية)، ومكانتها في سليلتها الزردشتية. · حرص الكرد على إشعال النار بُعيد غياب شمس يوم (20) آذار/مارس، ولعل بقية الشعوب الآريانية تفعل ذلك أيضاً، وكأنما ذلك يرمز إلى دحر الظلامية الشريرة المتمثلة في الليل، والإصرار على استمرار النورانية الإلهية المتمثلة في الشمس، بل إن الكرد كانوا يحرصون، حتى عهد قريب، على إشعال النار في المناسبات السعيدة كالأعراس، والقفز من فوقها (رمزية التطهير)، ولعلهم ما زالوا يفعلون ذلك في القرى، وكنت في أيام صباي ممن يفعل ذلك. · ارتباط أحداث الصراع مع أزدهاك (الضحّاك) بعيدَين هما أعظم أعياد الشعوب الآريانية: الأول عيد مِهْرَجان، ومعناه عيد (روح الشمس) باعتبار أن (مِهر) اسم (الشمس)، و(جان) تعني (روح)، ولا حظوا هنا أن كلمة (مهرجان) دخلت العربية في وقت مبكّر جداً من العهود الإسلامية، وصارت تعني (احتفال). والعيد الثاني هو عيد نُورُوز. · (دهوك) كلمة ميدية تعني صاحب الإقليم (ملك البلاد)، وسُجّلت في المدوَّنات الآشورية بصيغة (دهياوكو)، وهذا يذكّرنا باسم الزعيم الميدي (دِياكو)، وهو أول من بدأ بإعلان الثورة على السلطات الآشورية، ويسمّيه هيرودوت (ديوسيس)، وأخذت كلمة (دهوك) في الپهلوية صيغة (دهاك)، أو (دهيك)، واشتق العرب منها صيغة (دِهْقان)، وهي تعني في التراث الإسلامي (زعيم قرية، زعيم منطقة) وجمعها (دَهاقِنَة). (مجموعة من الباحثين: كركوك، بحث د. جمال رشيد، ص 169، هامش 2). · القرابة الصوتية الوثيقة بين صيغة (دهاك) الآريانية، وصيغة (ضحّاك) العربية، تثير احتمال أن يكون اسم (الضحّاك) العربي تعريباً لكلمة (دهاك) الآرياني، إذ لا يتّسق مع الثقافة العربية، ولا سيّما في مجال إطلاق الأسماء على الذكور، أن يسمّى الرجل (ضحّاك) بدلالته اللغوية العربية التي تعني المبالغة في الضحك (انظر الحلقة السادسة) في حين يتّسق مع الدلالة اللغوية في الأصل الآرياني (الكردي، الفارسي)، إذ تحمل معاني الرفعة والقوة والسيطرة. · حرص الفرس في جميع عهودهم الإمبراطورية ليس فقط على إزالة كل ما يتعلق بتاريخ الميديين، وإنما عملوا بكل وسيلة لتشويه صورتهم، وخاصة صورة آخر ملوكهم أستياگ. · كلمة (أژدها) بالكردية- وهي من أعرق اللغات الآريانية- تعني (الحيّة الضخمة المرعبة= التنّين)، وربما لها المعنى نفسه بالفارسية أيضاً، ولاحظوا ظهور (حيّتين) في جميع الروايات التي تناولت قصة الضحّاك. حينما آخذ هذه المعطيات في الحسبان، وأضم إليها ما هو معروف بشأن مسيرة الشعوب الآريانية ميثولوجياً واجتماعياً وسياسياً، أرجّح ما يلي: 1 – توجد تقاطعات دقيقة، في أحداث قصة الضحّاك، بين اثنين من محاور حياة الشعوب الآريانية: محور ميثولوجي، ومحور اجتماعي سياسي، ويتجلّى ذلك في التطابق بين عيدي مهرجان ونوروز، والانتصار على الضحّاك. 2 – الأرجح أن أحداث هذه القصة تعود، في جذورها الأولى، إلى العهد الذي كانت فيه القبائل الآريانية تعيش مجتمعة في وسط آسيا (جنوبي روسيا)، قبل الميلاد بأكثر من ثلاثة آلاف عام، ولا ننس أن أقدم ما ورد في الأڤستا (الأبستاق) يعود إلى تلك العهود. 3 – بعد أن انتشرت القبائل الآريانية جنوباً وغرباً، وتحوّلت إلى شعوب وقوميات، وتفرّعت من الثقافة الآريانية المشتركة العريقة ثقافات قومية عديدة، تختزنها ذاكرات قومية خاصة، وابتعدت لهجاتها بعضها من بعض، وصارت لغات مستقلة، أخذت هذه القصة طابعاً خاصاً في ذاكرة كل شعب، وأُسقطت عليها إحداثيات مختلفة، كانت في كل مرة نتيجة معطيات تاريخية معيّنة. 4 – بما أن الفرس سيطروا منذ سنة (550 ق.م) على مقاليد الأمور في غربي آسيا، وخاصة في آريانا الكبرى (أفغانستان، والقسم الغربي من پاكستان، وبلوشستان، وفارس، وكردستان، وأذربيجان)، فقد احتكروا إنتاج الثقافة وتسويقها، وفي إطار ذلك أعادوا صياغة بعض المكوّنات الأسطورية في ثقافة آريانا، بما يتناسب مع مشروعهم للهيمنة والتوسع، وسوّقوها في كل عهد بما يخدم أغراض ذلك المشروع، وليست أسطورة الضحّاك إلا نموذج لذلك. ما وراء الكلمات وأما ظهور الكرد بصورة العتقاء في أسطورة الضحّاك فيُراد به ما يلي: 1 – الكرد في الأصل سلالة من (العتقاء، الطرداء)، وكان أجدادهم من الأسرى الذي كان يمكن أن يُقتلوا، لولا أن منّ عليهم (الطبّاخ/الوزير) بالحياة. 2 - الكرد ليسوا تكويناً عرقياً واحداً، إنهم مزيج غير معروف الهوية، والدليل على ذلك أن الرواية لا تذكر شيئاً عن هوية أولئك العتقاء، فهم كانوا من خليط شتّى. 3 - الكرد شعب متوحش، مواطنهم الجبال، لا يفقهون أبجدية الحضارة، ولا يمكن أن ينتقلوا من دائرة (التوحش) إلى دائرة (التمدن). والخلاصة أن ظهور الكرد في أسطورة الضحّاك ليس أمراً فريداً، إنه حلقة في سلسلة الحملات التي دُشّنت في غربي آسيا لتشويه صورة الكرد منذ سقوط دولة ميديا سنة (550 ق.م)، وتسلّلت من بعد إلى مصادر التراث الإسلامي، وأخذت فيها أشكالاً عديدة، من أبرزها مشروع الطعن في (أصل الكرد)، واعتبارهم بشراً من الصنف الرديء. وكان الذين صمّموا هذا المشروع، ونفّذوه في الغاية من الدهاء؛ إذ معروفٌ أن (الفروع) في كل شيء تتبع (الأصول)، ويكفي أن تكون (الأصول) فاسدة، كي تكون (الفروع) فاسدة أيضاً. وبطبيعة الحال لم يقتصر تعميم صورة الكرد المشوَّهة على الذاكرة الغرب آسيوية فقط، وإنما عُمّمت على ذاكرة الشعوب الإسلامية جميعها، بحكم أن مصادر التراث الإسلامي مبثوثة في بلاد المسلمين جميعها، وكل من يطّلع على تلك المصادر يخرج منها- شئنا أم أبينا- بانطباع سيّئ عن الكرد، وخاصة أن عامّة المسلمين، وقسماً كبيراً من خاصّتهم، يتعاملون مع معظم ما جاء في التراث الإسلامي بقدر كبير من القبول والتسليم، ولا يُخضعونه للفحص والتحقيق. وعلى أية حال يبدو لنا أن مسألة (شَيطنة) الكرد، من خلال قصة الضحّاك (أزدهاك، أستياگ)، لم تكن أمراً عارضاً، ولا زلّة لسان، ولا ضرباً من العبث، إنها كانت- فيما نجد من مؤشرات وفيما نستشعر- حلقة من مشروع قديم وضخم ومعقَّد، لعلنا نستمر في التنقيب عنه، واستكشاف ملامحه، في الحلقة القادمة. المراجع 1. ابن خلّكان: وفيات الأعيان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1969. 2. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت، رام للطباعة والتوزيع، دمشق. 3. الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق شُعَيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1982. 4. صالح أحمد العلي: تاريخ العرب القديم والبعثة النبوية، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2000. 5. الطبري: تاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1979. 6. الأستاذ طه باقر، الدكتور فوزي رشيد، الأستاذ رضا جواد هاشم: تاريخ إيران القديم، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1979. 7. الفردوسي: الشاهنامة، ترجمة سمير مالطي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1986. 8. مجموعة من الباحثين: كركوك (بحوث الندوة العلمية حول كركوك) 3-5 نيسان 2001، دار آراس للطباعة ولنشر، أربيل، كردستان العراق، الطبعة الأولى، 2002. 9. الدكتور منذر عبد الكريم البكر: دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام (تاريخ الدول الجنوبية في اليمن)، جامعة البصرة، البصرة، 1980. 10. ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة الدكتور زكي نجيب محفوظ، الإدارة الثقافية، جامعة الدول العربية، الطبعة الرابعة، 1973. 11. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، أشرف على الترجمة الدكتور محمد مصطفى زيادة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1959. 12. ياقوت الحموي: معجم البلدان، تحقيق فريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990. وإلى اللقاء في الحلقة الثامنة د. أحمد الخليل في 1 – 1 - 2009 dralkhalil@hotmail.com ===
|
|
|
سلسلة دراسات من ذاكرة التاريخ ( الحلقة السادسة ) الكرد في أسطورة الضحّاك/أزدهاك ( 1- مؤرخون وروايات ) للدكتور أحمد محمود الخليل
|
|
|
صور غريبة استعرضنا في الحلقة السابقة صورة الكرد في الذاكرة العربية قبل الإسلام، واتضح أن المعلومات في هذا المجال كانت قليلة، ومع ذلك ظلت تلك الصورة متماسكة في صدر الإسلام (عهد النبوة والخلفاء الراشدين الأربعة: أبو بكر، عمر، علي، عثمان)، وظلت كذلك طوال العهد الأموي أيضاً (40 – 132 هـ)، واحتفظت بتماسكها في العقود الأولى من العهد العباسي، ثم طرأت عليها تحوّلات جديدة، أنتجت في كثير من الأحوال صوراً غريبة عن الكرد، وقدّمت الكرد إلى الأجيال الغرب آسيوية على نحو مشوَّه وفي مشاهد منفِّرة، بل نجد بين أيدينا من المعطيات ما يوحي بأنه كانت ثمة مشاريع قائمة لهذا الغرض خصّيصاً. ودعونا نتناول بالتحليل أحد مشاريع تشويه صورة الكرد، إنه متمثل في قصة الضحّاك (الأزدهاق)، لكن قبل ذلك دعونا نقم بجولة مع المؤرخين والمدارس التاريخية ومنهج المؤرخين في التراث الإسلامي، خلال القرون الهجرية الثلاثة الأول؛ لأن تلك القرون تُعَدّ الينبوع المعرفي الذي كان يستقي منه المؤرخون رواياتهم في القرون التالية، وباطلاعنا على مرتكزات الثقافة فيها نصبح أقدر على معرفة الجهة صانعة المعلومة والمروّجة لها، ونصبح أقرب إلى الواقعية في فهم المعلومة، وأقرب إلى المنطقية في الحكم عليها. مؤرخون ومدارس ومناهج هناك ثلاث حقائق مهمة جداً في ميدان التعامل مع الروايات المتداولة في مصادر التراث الإسلامي عامة، وفي مصادر التاريخ خاصة. أولاً - الحقيقة الأولى: تتعلق بهوية المؤرخين المسلمين الأوائل؛ أقصد مؤرخي القرون الهجرية الثلاثة الأولى، كما تتعلق بالمصادر التي كانوا يستقون منها معلوماتهم حول الأحداث الغابرة، وإليكم ثَبْتاً بأسماء مشاهير مؤرخي تلك الفترة: 1. عُبَيد بن شَرِيَّة الجُرْهُمي ( ت نحو 67 هـ = 686 م): من المعمَّرين، أصله من عرب الجنوب (اليمن)، كانت قبيلته جُرْهُم صاحبة النفوذ في مكّة زمن النبي إبراهيم (القرن 19 ق.م)؛ حسبما تقول الروايات الدينية، ويفتقر عُبَيد - أغلب الأحيان- إلى الحس التاريخي الدقيق، ويقع نهجه في رواياته تحت تأثير الأساطير والإسرائيليات، ومع ذلك كان شديد التأثير في الرواة والمؤرخين بعده (هاملتون جب: دراسات في حضارة الإسلام، ص 144 – 145). 2. وَهْب بن مُنبِّه (ت 114 هـ = 732 م): من أشهر مؤرخي القرن الأول الهجري، أمه يمنية من حِمْيَر، وأبوه من المقاتلين الفرس الذين أرسلهم كسرى أنو شروان إلى اليمن سنة (575 م)، لمساعدة الزعيم اليمني سَيف بن ذي يَزَن على دحر الأحباش، وكان الأحباش قد احتلوا اليمن سنة (525 م) (فيليب حتي وآخران: تاريخ العرب ص 98، 101). ويفتقر وَهْب مثل عُبيد إلى الحس التاريخي الدقيق، وتغلب الأسطوريات والإسرائيليات على رواياته، وكان شديد التأثير في المؤرخين بعده، حتى إن الطَّبَري، وهو من أبرز أعلام التأليف في المجال الديني، استمدّ في تفسيره الكبير للقرآن كثيراً من أقاويل وَهْب (هاملتون جب: دراسات في حضارة الإسلام، ص 144). 3. محمد بن إسحاق بن يَسار (ت 151 هـ = 768 م): من الموالى (غير العرب)، وكان جدّه يَسار ممن أُسروا في العراق سنة (12 هـ)، ومعروف أن الفرس كانوا يحكمون الجزيرة قبل غزوات العرب المسلمين، ويقول هاملتون جب في هذا الصدد: " ومن الخطأ أن نبحث عن أيّ مؤثرات سوى المؤثّرات الفارسية البعيدة في المفهوم الذي قام عليه كتاب ابن إسحاق (السيرة النبوية التي هذّبها ابن هشام) ". (هاملتون جب: دراسات في حضارة الإسلام، ص 149). 4. هشام بن محمد الكَلْبي (ت حوالي 204 هـ = 819 م)، نسّابة ومؤرخ عربي، كان يستمد معلوماته مما كان يتوافر في الحِيرة من الكتب، ومعروف أن الحِيرة كانت مركزاً للنصارى النساطرة من ناحية، وكانت تحت النفوذ الفارسي سياسةً وثقافةً من ناحية أخرى، واهتم بجمع الأخبار التاريخية من محفوظات كنائس الحِيرة، كما أنه اعتمد على المواد الفارسية التي تُرجمت له. (هاملتون جب: دراسات في حضارة الإسلام، ص 147). 5. محمد بن عمر الواقِدي (ت 207 هـ = 823 م)، وهو من الموالي، ويُعَدّ من أقدم المؤرخين في الإسلام ومن أشهرهم، وهو من حُفّاظ الحديث، وُلد بالمدينة وتوفي بالعراق. 6. أبو عُبَيْدَة مَعْمَر بن المُثَنّى (ت 209 هـ = 824 م)، من الموالي، وأصله من الجزيرة، والمشهور أنه من الفرس، وهو من كبار اللغويين، وكان مهتماً بذكر أخبار التاريخ الفارسي أيضاً، فاتُّهم بالتحامل على العرب، وصُّف في عِداد كبار الشعوبيين (الشعوبيون هم من لا يرى للعرب فضلاً على غيرهم من الشعوب، ويذكرون نقائصهم قبل الإسلام). 7. أبو الحسن المَدائني (علي بن محمد، ت 225 هـ = 840 م): من الموالي، بصري الأصل، أقام في المدائن، فلُقّب بالمدائني، وقد اعتمد الطَّبَري والمهتمون بأخبار المغازي على كثير من رواياته. 8. محمد بن سَعْد (ت 230 هـ = 844 /845 م)، من موالي قبيلة بني زُهْرة القُرَشية، ولد في البصرة، وأقام في بغداد، وهو كاتب الواقدي، وصاحب الكتاب التاريخي الشهير (طبقات ابن سعد)، وقد استفاد في ذلك الكتاب من روايات أستاذه الواقدي. 9. عُمَر بن شَبَّة (ت 262 هـ = 876 م)، من موالي قبيلة بني نُمَيْر، أديب نحوي إخباري لغوي فقيه، نشأ بالبصرة، وتوفّي بسامرّاء. 10. أحمد بن يحيى البَلاذُري (ت 279 هـ = 892 م)، ليس بعربي، والأرجح أنه من كتّاب الفرس، ومن أهل بغداد، وهو مؤرخ جغرافي نسّابة، وأحد المترجمين من الفارسية إلى العربية، تلقّى العلم عن ابن سعد والمدائني، وله كتاب (فتوح البلدان). 11. ابن واضح اليعقوبي (أحمد بن إسحاق ت 284 هـ = 897 م)، مؤرخ جغرافي كثير الأسفار، من أهل بغداد، صاحب كتاب (تاريخ اليعقوبي)، وهو من الموالي، والأرجح أنه فارسي. 12. الطَّبَري (محمد بن جرير ت 310 هـ = 923 م)، أصله من طَبَرستان في شمالي بلاد إيران (جنوبي بحر قزوين)، وهو من ذوي الثقافة الفارسية، " وقد اعتمد الطبري فيما يختص بتاريخ الفرس على ترجمات عربية لكتب فارسية، وخاصة كتب ابن المُقَفَّع، كما استمد من كتب هشام الكَلْبي الذي كان يعتمد في تاريخ ملوك الفرس والحِيرة على وثائق ومدوَّنات، وعوّل في تاريخ الروم على ما نقله من كتب نصارى الشام "، ومر في أثاء حديثنا عن وَهْب بن مُنَبِّه أن الطبري تأثر به. (أحمد عادل كمال: الطريق إلى المدائن، ص 20 – 21). (لمزيد من المعلومات راجع: الفِهرِسْت لابن النديم، وتاريخ الإسلام للذَّهَبي، ومعجم الأعلام للزركلي، ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحّالة). وبتدقيق النظر في منابت هؤلاء المؤرخين إثنياً وجغرافياً وثقافياً يتضح أن المؤثرات العربية في رواياتهم كانت قليلة، وبخاصة حينما كان الأمر يتعلق بأخبار غير العرب قبل الإسلام. ثانياً - الحقيقة الثانية: تتعلق بالمدارس التاريخية المؤثّرة في إنتاج الأخبار وتسويقها، خلال القرون الهجرية الثلاثة الأولى، فثمة مدرستان رئيستان، كانتا مصدرين لمعظم الروايات الواردة في كتب المؤرخين والجغرافيين والموسوعيين المسلمين؛ أقصد الروايات ذات الصلة بأخبار ما قبل الإسلام: 1 - المدرسة الأولى كان مركزها اليمن، وكان وَهْب بن مُنَبِّه الفارسي الأصل من أبرز شيوخ تلك المدرسة، وقد مزج الرجل ببراعة بين ما جاء في مصادر التاريخ الفارسية من أحداث وأساطير، وبين ما جاء في الروايات العبرانية والنصرانية، حتى إنه صار من المقرَّبين إلى خلفاء بني أُميّة، ومعروف أن اليهودية كانت قد انتشرت في اليمن برعاية من الملك اليمني ذي نُواس، وكانت النصرانية تنافسها بقوة، وكان الخصام شديداً بين الثقافتين، ثم دخلت الثقافة الفارسية إلى الميدان، وصارت منافساً لكل من اليهودية والنصرانية، وكانت الدوائر السياسية التي تقف وراء هذه الثقافات، تعمل لتغليب ثقافتها على الثقافات الأخرى، ليس في اليمن فقط، بل في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية. 2 - المدرسة الثانية كان مركزها في العراق، وصحيح أن الثقافة الفارسية كانت صاحبة النفوذ هناك، لكن كان للثقافة النصرانية في تجلياتها النَّسطورية حضور قوي أيضاً، ولا سيما في الحِيرة (مركز الإمارة العربية التابعة للفرس)، وفي الجزيرة (بين النهرين دجلة والفرات)، ومعروف أن النساطرة فرقة نصرانية منشقة، رفض مؤسسها نسطور الأخذ بالمذهب المَلْكاني (الخلقيدوني) الرسمي في الدولة البيزنطية (الرومية)، فتعرض أتباعه للاضطهاد، ولجأوا إلى أراضي الدولة الساسانية عدوّة بيزنطا، ونشأ تحالف سياسي وثقافي وثيق بين الساسانيين والنساطرة، وكانت (أكاديمية) جُندي سابور (گُنْدى شابور) " مركزاً للدراسات الآرامية، وكان أغلبية قوّادها من العلماء النسطوريين، بيد أنها كانت في الوقت نفسه مكاناً عاماً لاجتماع الثقافات الفارسية والهندية واليونانية والآرامية، وما ناولته للعرب كان مزيجاً من كل تلك الثقافات " (هاملتون جب، دراسات في حضارة الإسلام، ص 297). ثالثاً - الحقيقة الثالثة: تتعلق بمنهج معظم المؤرخين المسلمين في التعامل مع الروايات والمعلومات، فهم في معظم الأحيان لا يكلّفون أنفسهم عناء تفحّصها، لا من حيث تتبّعُ المنشأ؛ تُرى في أيّ وسط جغرافي وثقافي ظهرت أولاً؟ ولا من حيث تتبّعُ المسارات؛ تُرى كيف بدأت؟ وكيف انتهت؟ ولا من حيث طبيعتُها؛ تُرى أهي واقعية أم أسطورية؟ والمؤسف أن معظمهم يسرع إلى تلقّف المعلومة، ولا سيما إذا كان فيها شيء من الغرابة، فيتبنّاها بحماس، ويقدّمها إلى الأجيال على أنها حقيقة أو شبه حقيقة؛ هذا عدا تركيزهم- قدامى ومحدثين- على (الكمّ) بدل (النوع)، ووقوعهم تحت تأثير الرغبة في (تنفيخ) الكتاب، كما أشرنا في حلقة سابقة؛ وها هو ذا المؤرخ الشهير ابن الأثير يفصح عن بعض ذلك قائلاً: " فإني لم أزل محبّاً لمطالعة كتب التواريخ ومعرفة ما فيها، ... فلمّا تأمّلتها رأيتها متباينةً في تحصيل الغرض، يكاد جوهر المعرفة بها يستحيل إلى العَرَض، فمن بين مطوِّل قد استقصى الطرق والروايات، ومختصِر قد أخلّ بكثير ممّا هو آت، ومع ذلك فقد ترك كلُّهم العظيمَ من الحادثات، والمشهورَ من الكائنات، وسوّد كثيرٌ منهم الأوراق بصغائر الأمور التي الإعراض عنها أولى، وتركُ تسطيرها أحرى، ... وقد أرّخ كلّ منهم إلى زمانه وجاء بعده من ذَيّل عليه، وأضاف المتجددات بعد تاريخه إليه، والشرقيُّ منهم قد أخلّ بذكر أخبار الغرب، والغربيُّ قد أهمل أحوال الشرق؛ فكان الطالب، إذا أراد أن يطالع تاريخاً متصلاً إلى وقته، يحتاج إلى مجلدات كثيرة وكتب متعددّة، مع ما فيها من الإخلال والإملال " (الكامل في التاريخ، ج 1، ص 2). ولا ننس في الوقت نفسه أنه لم تكن ثمة مؤسسات أكاديمية تجمع المؤرخين، وتشرف على أعمالهم في إطار ضوابط نقدية محددة، وإنما كان المؤرخون يقومون بجهود فردية. ولا نُسقط من الحساب أيضاً أن العلم والأدب كانا من أبواب كسب الرزق في ذلك الحين، ومن وسائل الوصول إلى أبواب الخلفاء والأمراء وإلى مجالسهم، وخاصة بالنسبة إلى أبناء الموالي؛ وكلما كان المؤرخ غزير المعلومات، بغضّ النظر عن مصدرها وصحّتها، وكان أكثر سرداً للغرائب والعجائب، كانت سوقه أكثر رواجاً، وكان المردود المادي أوفى. وبعد هذا لنعد إلى أبرز الروايات ذات العلاقة بقصة الضحّاك. رواية ابن قُتَيْبة الدِّينَوَري ابن قُتَيْبَة الدِّينَوَري (عبد الله بن مُسلِم، ت 276 هـ = 889 م)، أديب نحوي لغوي، وهو بغدادي، غير عربي، والأرجح أنه فارسي الأصل، لأنه يقال له (المَرْوَزِيّ) نسبة إلى مدينة (مَرُو) عاصمة إقليم خُراسان، وهو ليس من أهل مدينة (دِينَوَر/دَيْنَوَر) الكردية الواقعة في جنوبي كردستان (جنوب غربي إيران حالياً)، والتي كانت تابعة لولاية قَِرْمِيسِين (كَرْمَنْشاه)، وإنما عمل قاضياً في دينور، فنُسب إليها، وهو أقدم مَن وصلنا ما دوّنه حول علاقة الكرد بقصة الضحّاك، فقد قال في كتاب (المعارف، تحت عنوان: الأكراد): " تَذكر العجم أن الأكراد فَضْلُ طعام بِيوراسف؛ وذلك أنه كان يأمر أن يُذبَح له كلَّ يوم إنسانان، ويُتّخَذ طعامه من لحومهما، وكان له وزير يقال له: أَرياييل، فكان يَذبح واحداً يَسْتَحْييه، وَبْعث به إلى جبل فارس، فتوالدوا في الجبال وكثروا ". وأورد الزبيدي (ت 1205 هـ = 1790 م) رواية ابن قتيبة، ثم علّق عليها قائلاً: " قال شيخنا: وقد ضعّف هذا القول كثير من أهل الأنساب. قلت: وبيوراسْف هذا هو الضحّاك الماري [لعل الصواب: المادي، نسبة إلى الماد= الميد]، مَلَكَ العجم بعد جَمْ بن سليمان ألف سنة. وفي (مفاتيح العلوم) [كتاب للإمام فخر الدين الرازي ت 606 هـ يدور حول تفسير سورة الفاتحة] هو معرَّب دَهْ آك؛ أي ذو عشر آفات. وقيل: معرّب أزده؛ أي التِنّين، للسَّلَعَتَين [الزائدتين] اللتين كانت له " (تاج العروس، مادة كرد). وواضح أن ابن قتيبة نسب الرواية إلى العجم، وهو يقصد الفرس، وواضح أيضاً أن أهل الأنساب ضعّفوها. رواية الطََّبَري معروف أن الطَّبَري ( ت 310 هـ = 923 م) من أبناء الثقافة الفارسية الأقحاح، ويتميّز بأنه موسوعي الثقافة، وهو من كبار مفسّري القرآن، كما أنه من كبار المؤرخين المسلمين، وها هو ذا المؤرخ ابن الأثير يقول في وصف كتاب (تاريخ الرسل والملوك للطبري)، والمشهور باسم (تاريخ الطبري): " فابتدأتُ بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الإمام أبو جعفر الطََّبَريّ؛ إذ هو الكتابُ المعوَّل عند الكافّة عليه، والمرجوعُ عند الاختلاف إليه،... فلمّا فرغتُ منه، وأخذتُ غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها، وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه، ... وإنما اعتمدت عليه من بين المؤرخين؛ إذ هو الإمام المتقِنُ حقّاً، الجامعُ علماً وصحّةَ اعتقادٍ وصدقاً " (الكامل في التاريخ، ج1، ص 3). ولا ريب في أن الطبري كان يعلم الرواية الفارسية التي أدخلت الكرد في سياق قصة الضحّاك، لكنه أعرض عن ذكرها، ولم يقبل أن يوردها في كتاباته، وحينما يُعرض مؤرخ شهير وقدير كالطبري عن ذكر تلك الرواية فأقلّ ما يعني ذلك أنه طعن في مصداقيتها، وأباح للدارسين أن يَعُدّوها ضرباً من الإقحام والتكلّف والتلفيق. وقد ذكر الطبري أن الضحّاك هو (الأزدهاق)، والعرب تسمّيه الضحّاك، ويدّعي أهل اليمن أنه يمني، وأنه الضحّاك بن عُلْوان بن عُبَيد بن عُوَيْج، وأن أخاه سِنان حكم مصر حينما هاجر إليها النبي إبراهيم. وأما الفرس فيذكرون أن الأزدهاق هو بِيوَراسْب بن أَرْوَنْداسْب بن زينكاو بن ويرَوْشك بن تاز، بن فرواك بن سيامك بن مشا بن جِيُومَرت، ومنهم من يذكر له نسباً آخر هو أنه الضحّاك بن أندرماسب بن زنجدار (زنحدار) بن وندريسج بن تاج بن فرياك (فريال، فرمال) بن ساهمك (شاهمك) بن تاذي (ماذي/ مادي) بن جيومرت. ونقل الطبري عن هشام بن محمد الكلبي أن الضحّاك هو نَمْرود، وأن النبي إبراهيم وُلد في زمانه، وأنه الذي أمر بإحراق إبراهيم، كما ذكر الطبري قصة الحيّتين على منكبي الضحّاك، وإطعامهما من دماغ البشر. وذكر الطبري أيضاً قصة ثورة كاوَه على الضحاك، وسماه (كابي)، ونسبه إلى مدينة أصبهان (أصفهان)، وذكر أن قطعة الجلد التي اتخذها راية كانت من جلد أسد، فجعل ملوك الفرس تلك الراية عَلَمهم الأكبر، وسُمّوها (دِرَفْش كابيان)، وكانوا يتبرّكون بها، ولا يرفعونها إلا في الأمور العظام، وذكر الطبري قصة انتصار أفريدون على الضحّاك بفضل ثورة كاوَه، وفي مكان آخر من كتابه سمّى الضحّاك باسم (أجدهاق، وذكر أن عمره كان ألف سنة، وأن مدة حكمه كانت ستمئة سنة، وزعم بعضهم أن النبي نوحاً كان في زمانه (تاريخ الطبري، ج1 ، ص 194 – 201). ولم يذكر الطبري قطّ أن الكرد كانوا من سلالة الناجين من القتل. رواية الهَمَذاني الهَمَذاني هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إسحاق المعروف بابن الفقيه (توفي نحو 340 هـ = نحو 951 م)، وهو من مدينة هَمَذان (هَمَدان= آمَدان)، وهي عاصمة الميديين القديمة أگبَاتانا، وتعني (الفريدة= العديمة النظير)، والهمذاني من كبار الجغرافيين في التراث الإسلامي، وقد أورد معلومات تفصيلية تتعلق بقصة الضحّاك، وصرّح في بدايتها بأنها " تدخل في باب الخرافة، ومقتبسة من روايات الفرس "، وفي هذه الرواية اسم الضحّاك هو بيوَراسْف، " ويقال إن طول أفريذون تسعة أرماح- والرمح بباعه ثلاثة أَبْوُع [ثلاثة أذرع]- وعرض عَجُزه [مؤخرته] ثلاثة أرماح، وعرض صدره أربعة أرماح، ووسطه رمحان " (الهمذاني: البلدان، ص 552). وذكر الهمذاني أن فريدون (أفريدون/أفريذون) جاء بالضحّاك من المغرب نحو المشرق، ليسجنه في جبل دُنْباوَنْد، فمرّ بكُورة (منطقة) إصبهان، فجلس للغداء، " فأدار سلاسله على جبل من جبال إصبهان، وأوثقه بأساطين وسكك من حديد قوية، وتوثّق منه حتى ظن أنه قد أحكم ما أراد، حتى إذا جلس على غدائه، اجتذب بيوَراسْف سلاسله مع تلك الأساطين والسكك، واحتمل الجبل يجرّه بسحره، ثم طار به في الهواء، فلحق فريدون به في مدينة بزورند [كذا من غير ضبط، وهي الرَّي]، وضربه بمقمعة من حديد، فسقط بيوراسف مغشيّاً عليه، ورسا ذلك الجبل المنقول من إصبهان بمدينة الرّي "، ثم قاد فريدون بيوراسف من الرَّي نحو محبسه (الهمذاني: البلدان، ص 549). وفي رواية الهمذاني اسم وزير الضحّاك هو أرمائيل، وهو الذي أشفق على الناس، " فإذا جاؤوه بالأسارى من الآفاق ليذبحهم، ويأخذ أدمغتهم، فيغذّي الحيّتين، أعتق في كل يوم أسيراً، وذبح مكانه كبشاً، وخلط دماغه بدماغ المقتول، وغذا به الحيّتين أعواماً كثيرة، ثم بدا له في الذبح [أعاد النظر في قضية الذبح]، فكان إذا جاؤوه بالأسارى أعتقهم، وأسكنهم الجبل الغربي من قرية ميندان... فكان كلما أعتق أسيراً أعطاه داراً، وأسكنه الجبل الغربي، وأمره أن يزرع لنفسه ما يريد ويبني ما يشاء. فكانوا يفعلون ذلك " (الهمذاني: البلدان، ص 550 - 551). وبعد أن انتصر أفريدون على الضحّاك، وسجنه في جبل دُنباوَنْد، أوكل أمر حبسه إلى الوزير الطيب أرمائيل، وكان الوزير قد اهتدى إلى طِلَّسْم، فطَلْسَم طعامَ الضحّاك، بحيث يشبع ولا يحتاج إلى طعام آخر، وذات يوم أوفد أفريدون رسولاً إلى الوزير ليأتيه بخبر الضحّاك، فأحبّ الوزير أن يُطلع الرسول على حال المعتقين من الذبح، فأمر " أن يوقد كلُّ واحد منهم على باب الموضع الذي هو فيه ناراً، ففعلوا. فقال الرسول: ما هذا؟ قال: هؤلاء المعتقون من الذبح. قال الرسول بالفارسية: وسْ مانا كي ته آزاد كردي؟ أي: كم من أهل بيت قد أعتقتهم! وتناهى الخبر إلى أفريذون، فسرّ به سروراً شديداً "، ثم مضى أفريذون فشاهد الأمر على الواقع، وكافأ أرمائيل بأن أقطعه مدينة دُنباوند بقراها، واتخذ أفريدون يوم سجن بيوراسف عيد (المِهْرَجان) (الهمذاني: البلدان، ص 551 - 552). وجاء في رواية أخرى نقلها الهمذاني، وهي لرجل من كَلْب (الأرجح أنه هشام بن محمد الكلبي): أن أفريدون أراد معاقبة الوزير أرمائيل بعد الانتصار على بيوراسف، لأنه كان صاحب الذبح، فقال الوزير " كان يأمرني بذبح اثنين في كل يوم، فكنت أذبح واحداً وأعتق الآخر. قال وكيف عِلْمُ صحة ما ذكرت؟ قال: اركب معي حتى أريك إياهم. فركب معه، وسار حتى أشرف على جبال الدَيْلَم والشُّور، فنظر إلى عالَم قد توالدوا وتناسلوا. فقال: هؤلاء كلهم عتقائي. فقال أفريذون: وسْ ما نا كي ته آزاد كردي؟ كم من أهل بيت أعتقتهم! اذهب فقد ملّكتك عليهم، فأعطاه مملكة دُنباوند، فلم يزل الضحّاك عنده موثقاً ستة أشهر، ثم قتله يوم النيروز، فقالت الأعاجم: إمروز نُوروزي، أي: استقبلنا الدهر بيوم جديد، فاتخذوه عيداً " (الهمذاني: البلدان، ص 554). ومرة ثانية لا نجد أيّ ذكر للكرد في قصة الضحّاك. رواية المسعودي سبق أن أوردنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة الرواية التي ساقها المسعودي (ت 346 هـ = 957 م) بشأن الضحّاك والكرد، ولا بأس من عرضها ثانية، فقد قال: " ومن الناس من رأى أن الضحّاك ذا الأفواه المقدَّم ذكره في هذا الكتاب، الذي تنازعت فيه الفرس والعرب من أيّ الفريقين هو، أنه خرج بكتفيه حيّتان، فكانتا لا تُغذَّيان إلا بأدمغة الناس، فأفنى خلقاً كثيراً من فارس، واجتمعت إلى حربه جماعة كثيرة وافاه أفريدون بهم، وقد شالوا راية من الجلود تسمّيها الفرس دِرَفْش كاوان، فأخذ أفريدون الضحّاك وقيّده في جبل دُنْباوَنْد على ما ذكرنا، وقد كان وزير الضحّاك في كل يوم يذبح كبشاً ورجلاً، ويخلط أدمغتهما، ويطعم تَينك الحيّتين اللتين كانتا في كتفي الضحّاك، ويطرد من تخلّص إلى الجبال، فتوحّشوا وتناسلوا في تلك الجبال، فهم بَدء الأكراد، وهؤلاء من نسلهم، وتشعّبوا أفخاذاً ". (مروج الذهب، ج 2، ص 122 – 123). وأضاف المسعودي في المصدر السابق ذاته قائلاً: " وما ذكرناه من خبر الضحّاك فالفرس لا يتناكرونه [= لا ينفونه]، ولا أصحاب التواريخ القديمة والحديثة ". وتناول المسعودي قصة الضحّاك في كتابه (التنبيه والإشراف، ص 75 - 76) أيضاً، فقال: " بيوَراسْب، وهو الضحّاك مَلَك ألف سنة، والفرس تغلو فيه، وتُذكَر من أخباره أن حيّتين كانتا في كتفيه تعتريانه لا تهدئان إلا بأدمغة الناس، وأنه كان ساحراً يطيعه الجن والإنس، ومَلَك الأقاليم السبعة، وأنه لما عَظُم بغيُه، وزاد عُتُوُّه، وأباد خلقاً كثيراً من أهل مملكته؛ ظهر رجل من عَوامّ الناس وذوي النُّسك [التقوى] منهم، من أهل إصبهان إسكاف كابي، ورفع راية من جلود علامةً له، ودعا الناس إلى خلع الضحّاك وقتله، وتمليك أفريذون، فاتّبعه عَوامّ الناس، وكثير من خواصّهم، وسار إلى الضحّاك، فقبض عليه وأنفذه أفريذون إلى أعلى جبل دُباوَنْد [دُنباوند] بين الرَّي وطَبَرِستان، فأُودع هناك، وأنه حيّ إلى هذا الوقت، مُقيَّد هناك، في أخبار يطول ذكرها، قد شرحناها في كتاب مروج الذهب ومعادن الجوهر ". وكي تكتمل الصورة دعونا نقرأ ما أورده المسعودي أيضاً حول أصل الكرد في كتابه (التنبيه والإشراف، ص 78): " وكذلك الأكراد عند الفرس من ولد كرد بن أسفنديار بن مَنُوشَهْر، منهم البازَنجان، والشوهجان، والشاذنجان، والنشاورة، والبوذيكان، واللّرّية، والجورقان، والجاوانية، والبارسيان، والجلالية، والمستكان، والجابارقة، والجروغان، والكِيكان، والماجَرْدان، والهَذْبانية، وغيرهم ممن بزمام فارس وكَرْمان وسَجِستان وخُراسان وإصْبَهان وأرض الجبال من الماهات [ولايات]؛ ماه الكوفة، وماه البصرة، وماه سَبَذان والإيغارين، وهما البُرْج وكَرَج أبي دُلَفُ، وهَمَذان، وشَهْرُزور، ودراباذ، والصامَغان، وآذربيجان، وأرمينية، وأَرّان والبَيْلقان، والباب، والأبواب، ومن بالجزيزة والشأم والثغور". وهكذا قدّم المسعودي ثلاث روايات: - أما في الأولى فكان مجرد ناقل لما كان شائعاً عند " الفرس "، وبين " أصحاب التواريخ القديمة والحديثة ". - وأما في الثانية فذكر قصة الضحّاك، لكن من غير أيّ ذكر للكرد، اكتفاءً منه بما سبق أن أورده في كتابه (مروج الذهب). - وأما في الثالثة فنقل ما رواه الفرس بشأن أصل الكرد، من غير ذكر أية علاقة لهم بقصة الضحّاك. وأقل ما يمكن أن يقوله المرء وهو يكرر النظر في هذه الروايات أنها مضطربة ومحيّرة، ولا تستند على أية وثيقة تاريخية ذات مصداقية، وبالطبع لا نحمّل المسعودي مسؤولية ذلك، فحسبُ الرجل أنه كان أميناً في عرض ما وصل إليه من روايات الفرس، أما بالنسبة لرأيه هو فقد برّأ ذمّته من هذه الرواية بصورة واضحة، وبين أيدينا دليلان على ذلك، هي: 1 – الدليل الأول عندما صرّح بأن الفرس هم الذين يتداولون هذه الرواية فيما بينهم، ولا تلقى منهم إنكاراً، ولا علاقة لا للعرب، ولا لأيّ شعب آخر، بالترويج لها. 2 – الدليل الثاني عندما صرّح بأن الأصح هو أن الكرد عرب من نسل ربيعة بن نزار (الفرع العدناني)، وبذلك يكون قد أخرج أصل الكرد من دائرة الأحداث المتعلقة بالضحّاك جملة وتفصيلاً. وقد يقال: إن المسعودي نسب هذه الرواية إلى " أصحاب التواريخ القديمة والحديثة " أيضاً، أفليس هذا دليلاً موثَّقاً على صحّتها؟ وهل كان من الممكن أن يتفق المؤرخون- قديمهم وحديثهم- على رواية كهذه؛ لولا أنها كانت مؤكَّدة؟ وإذا رددنا رواية تناقلها المؤرخون القدامى والمحدثين، وأجمعوا ضمناً على صحتها، أفلا يكون ذلك خلطاً للأوراق، ونزعاً للثقة من جميع ما رواه أولئك المؤرخون؟ إنها تساؤلات منطقية بكل تأكيد، وللإجابة عنها بمنطقية حسبنا أن نتذكر ما ورد قبل قليل بشأن أشهر المؤرخين المسلمين في القرن الهجرية الثلاثة الأولى، فإن أصحاب التواريخ القديمة والحديثة الذين ذكرهم المسعودي ليسوا إلا هؤلاء الذين ذكرناهم، ومن هم تَبَعٌ لهم، وكانوا جميعاً- أتباعاً ومتبوعين- ممن يدورون في فلك الروايات التي بثّتها المدرستان الثقافيتان الكبريان؛ مدرسة اليمن، ومدرسة العراق، وكانت هاتان المدرستان – كما علمنا قبل قليل- نتاج تمازج الثقافات الفارسية واليهودية والنصرانية. رواية الفِرْدَوْسي سقطت الدولة الأموية سنة (132 هـ = 750 م)، وحلّت الدولة العباسية محلها، ولولا جهود قادة كبار، منهم بُكَيْر بن ماهان، وأبو سَلَمة الخلاّل، وأبو مُسْلم الخُراساني، وخالد البَرْمَكي، ومن ورائهم عشرات الألوف من المقاتلين والمؤيدين – وكان جميعهم من الموالي (غير العرب)- لما استطاع العباسيون الوصول إلى سُدّة الخلافة، ومنذ النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ظهرت دول مستقلة وأخرى شبه مستقلة في الأجزاء الشرقية والغربية من الدولة العباسية. ويهمنا الآن ما جرى في الأجزاء الشرقية، وخاصة في بلاد الشعوب الآريانية (تسمى في مصادر التراث الإسلامي بلاد إيران)، وهي تضم بلاد الفرس والكرد والبُلُوش (البلوج) والآذريين والأفغان، فقد ظهرت في تلك البلاد الدولة الطاهرية، ومؤسسها هو القائد الفارسي الكبير طاهر بن الحسين، أسّسها في عهد الخليفة المأمون (ت 218 هـ)، وكانت عاصمتها نيسابور، وورثتها الدولة الصُّفّارية (254 – 290 هـ = 867 – 903 م)، ومؤسسها يعقوب بن الليث الصُّفّار، وهو من أصل فارسي، ثم حلت محلها الدولة السامانية (261 – 389 هـ = 874 – 999 م)، وينتمي السامانيون إلى أسرة فارسية عريقة، يرجع أصلها إلى بَهْرام جُور، الزعيم الفارسي الشهير قبل الإسلام (د. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج3، ص 65 – 82). والحقيقة أن العنصر الفارسي كان ما زال قريب العهد بأمجاد الإمبراطورية الساسانية، وكانت الذاكرة الفارسية عامرة بسِيَر ملوك الفرس، وقد بدأ مثقفوهم بإعادة تنشيط تلك الذاكرة، وإحياء الشعور القومي الفارسي، من خلال ترجمة تواريخ ملوك الفرس إلى العربية، وكان المثقف الفارسي الكبير ابن المُقَفَّع (قُتل سنة 142 هـ = 759 م)، من أبرز من قام بذلك حينما ترجم كتاب (خُداي نامَه) من الپهلوية إلى العربية، وسمّاه (كتاب تاريخ ملوك الفرس) (الزركلي: الأعلام، ج 4، ص 140. أمين عبد المجيد بدوي: جولة في شاهنامة الفردوسي، ص7). وفي ظلال الدولة السامانية الفارسية، وبتشجيع من كبار الأمراء، نشط الأدباء والمؤرخون الفرس في مجال إحياء الثقافة الفارسية، وانتقلوا إلى مرحلة جديدة هي التأليف بالفارسية بدل العربية، وفي إطار عملية الإحياء الشاملة هذه ظهرت النماذج الأولى من ملحمة (شاهْنامه)، وهي عبارة عن تدوين التاريخ الفارسي شعراً، فظهرت (شاهْنامة) أبي المؤيَّد البَلْخي، ثم (شاهنامة) أبي منصور الدَّقيقي، وهما من مشاهير شعراء الدولة السامانية، واستكمل الشاعر الفارسي الكبير أبو القاسم الفردوسي (ت 401 هـ أو 403 هـ = 1010 أو 1012 م) ما بدأه البَلْخي والدَّقيقي، وانتهى من تأليف كتاب (شاهنامه) سنة (384 هـ)، وظل ينقّحه حتى سنة (400 هـ) (انظر د. حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج3، ص 82. أمين عبد المجيد بدوي: جولة في شاهنامة الفردوسي، ص 10 – 19). ويمكن القول بأن الفردوسي جمع في الشاهنامة معظم ما كان في الذاكرة الفارسية من تواريخ وأساطير تتعلق بالدول الفارسية وبسِيَر ملوكها قبل الإسلام، ورغبنا في رسم صورة واضحة للمُناخ الثقافي الذي ظهرت فيه ملحمة الشاهنامة، كي نقدم الدليل على أن هذه الملحمة تمثل خلاصة ما ترسّخ في الذاكرة الفارسية بشأن تواريخ ملوك الفرس، ونجد في الشاهنامة ذكراً لكل من الضحّاك (الأزدهاق)، ولخصمه فريدون (أفريدون= أفريذون)، وللثائر كاوَه الحداد، ولكن لم يأت لا الفردوسي ولا من نقل عنهم الفردوسي على أيّ ذكر بأن الكرد كانوا من نسل أولئك الشباب الذين كانوا ينجون من القتل في عهد الضحّاك (الفردوسي: الشاهنامة، ص 10 – 16). وإليكم خلاصة ما ذكره الفردوسي: في البدء حكم العالَم كلَّه مَلِكٌ يُدعى جِيُومَرْت (جيومرث= گيومرت)، وهو يماثل (آدم) في خريطة الأنساب العبرانية المعتمَدة في اليهودية والمسيحية والإسلام، وكان لجيومرت ابن يُدعى سيامك، لكن أحد الجن قتل سيامك، فحزن جيومرت على ابنه حزناً شديداً، وسلّم مقاليد السلطة لحفيده أوشهنج بن سيامك، وأوشهنج هذا هو مكتشف النار، وواضع أبجديات الحضارة في العالم، صناعةً وزراعةً وتدجيناً للحيوانات، ثم تولّى الحكم بعده ابنه طَهْمُورث، فاستكمل مسيرة والده في ميدان التحضر، وكان العالم يفتقر حينذاك إلى معرفة الخط والكتابة، فحارب طهمورث الجن، وسجن كثيرين منهم وأذلّهم، فوعدوه بأن يعلّموه الخط والكتابة إذا أطلق سراحهم، وتلك كانت بداية ظهور الكتابة في العالم (الفردوسي: الشاهنامة، ص 5 – 8). ثم حكم جَمْشيد بعد والده طهمورث، ومعنى اسمه (شعاع القمر)، وسار شوطاً واسعاً في ميدان التحضر؛ إذ تفنّن في صنع الآلات الحربية، واتخذ الكتّان والحرير والصوف للثياب، ونشر الصناعات، ومنها الصناعات الطبية، في أرجاء العالم، وكلّف الجن بأعمال شاقة، وطار إلى ممالك العالم على سرير كانت الجن تحمله (لاحظوا ما جاء في سيرة النبي العبراني سليمان حول هذه الأمور)، لكنه تجبّر وتكبّر، واستبدّ بالسلطة، فانشق ملوك الفرس الذي كانوا من أتباعه، واجتمعوا إلى الضحّاك ابن ملك العرب، ليخلّصهم من جمشيد، فتولى الضحّاك الأمر، وتغلب على جمشيد بعد صراع طويل، وقتله بالمنشار (الفردوسي: الشاهنامة، ص 9 – 10). والضحّاك لقب، أما اسمه فهو بيوَراسب بن مِرْداس ملك العرب، وكان ملكاً صالحاً في البداية، وكان له خادم من الجن اسمه (إبليس)، وكان يظهر في شكل شاب جميل، وأغرى إبليس الضحّاك بقتل والده، لفرض حكمه على العرب أجمعين، لكن الضحّاك تردّد، ولم يوافق على ذلك رغم وسوسة إبليس له. وذات ليلة خرج الأب مرداس يمشي في بستان له، فوقع في بئر مغطاة بالحشيش، فطمرها إبليس بالتراب، وهكذا أصبح الضحّاك ملك العرب (الفردوسي: الشاهنامة، ص 10). ولم يكتف إبليس بالخلاص من الأب، وإنما ظهر في شكل طبّاخ، وتولّى شؤون المطبخ الملكي، وتفنّن في صنع الأطعمة، فأُعجب به الضحّاك، وأراد مكافأته، فسأله: ماذا تطلب؟ فطلب الطبّاخ (إبليس) أن يقبّل منكبيه، فوافق الضحّاك، وما إن قبّل الطبّاخ منكبَي الضحّاك حتى غاب عن الأبصار، وظهر على كل منكب من منكبي الضحّاك حيّة سوداء أرعبت الملك والحاشية، ونصح الأطباء الضحّاك بقطع الحيتين، لكنهما كلما قُطعتا نبتتا من جديد، وهنا ظهر إبليس متنكراً في زيّ طبيب، وأقنع الضحّاك بأن هذا قدر من الله، ولا بد من تغذية الحيتين بأدمغة الناس، كي يخفّ أذاهما؛ وكان غرض إبليس من ذلك أن يسفك الضحّاك دماء الناس، ويبيد الجنس البشري، وقد أصدر الضحّاك الأمر بقتل رجلين كل ليلة، وتقديم دماغيهما طعاماً للحيتين (الفردوسي: الشاهنامة، ص 11 – 12). وبعد فترة طويلة من ظلم الضحّاك تنبّأ أحد المنجّمين الحكماء بأن مُلكه سيزول على يدي ملك اسمه أفريدون (فريدون)، لمّا يولد بعدُ، فصُعق أفريدون، ونشر رسله في أطراف البلاد لترقّب ولادة ذلك الطفل، والمبادرة إلى قتله فور ولادته، وفي تلك السنة ولد أفريدون، وكان والده من جملة الذين قتلهم الضحّاك لإطعام الحيتين، وخافت عليه والدته من شر الضحّاك، فهربت به إلى مرج تكسوه الخضرة، ويخص راعياً كانت له قطعان كبيرة من الغنم والبقر، فتعهّد للأم بتربية أفريدون، ولاحظوا الشبه بين قصة أفريدون وشخصيات شهيرة أخرى: - سَرْجون الأول الأكادي: حملت به أمه الكاهنة سِفاحاً، ولما ولد جعلته في سلّة مطليّة بالقار، ووضعت السلة في النهر، فالتقطه البستاني (أكي)، وربّاه واتخذه ابناً (توماس طمْسُن: الماضي الخرافي، ص 511 - 512). - النبي العبراني موسى: خبّأته أمه ثلاثة أشهر خوفاً من أن يقتله فرعون، ثم وضعته في صندوق صغير مطليّ بالقار، ووضعته بين الأعشاب بجانب نهر النيل، فوجدته جواري ابنة فرعون وهو يبكي، فرقّت له الأميرة الفرعونية، فتبنّت رعايته. (العهد القديم، سفر الخروج، الأصحاح 2، الآيات 1 – 10). - كورش الثاني الأخميني: والده قمبيز، وأمه ماندانا ابنة الملك الميدي الأخير أستياگ، وقد رأى الملك الميدي حلماً غريباً يتعلق بابنته ماندانا، وفسّر المنجّمون الحلم بأن ابنته ستلد طفلاً، وسيخلعه حفيده ذاك من السلطة، ويحكم بدلاً منه، فقرر أستياگ الخلاص من الطفل فور ولادته، ولما ولد الطفل كلّف أستياگ القائدَ الميدي الكبير هارباگ (هارباجوس) بتلك المهمة، فدفع هارباگ الطفل إلى الراعي ميثرادات (معناه: هبة الإله ميثرا) ليقتله، لكن زوجة الراعي رقّت للطفل، ونصحت زوجها بعدم قتله، وبتربيته وتبنّيه، ففعل الراعي ذلك (هيرودوت: تاريخ هيرودوت ص 82- 83. هارڤي بورتر: موسوعة مختصر التاريخ القديم، ص 87) وبعد ثلاث سنوات استلمت الأم ولدها أفريدون من الراعي، وهربت به إلى بلاد الهند، وقصدت جبلاً عالياً، فرعاه أحد الرهبان هناك، وعلّمه مكارم الأخلاق، ثم زار أفريدون أمه، وقرر الثأر لوالده من الضحّاك، فنصحته والدته بالتريّث، وخلال تلك المدة كان اسم أفريدون يقلق الضحّاك ويرعبه، وفجأة قاد الحداد كاوَه (جاوه= گاوه) ثورة عارمة ضده، إذا كان أحد أبنائه قد اختير ليكون دماغه طعاماً للحيتين، وأخذ كاوه قطعة جلد كان يغطي بها قدمه حينما كان يطرق الحديد، ورفعها على عصا، واتخذها راية، وسمّيت (دِرَفْش گاويان)، وراح ينادي بطاعة أفريدون، وقاد أفريدون الثورة على الضحّاك، وانتصر عليه، وجلس على عرش بلاد إيران، واقتاد الضحّاك إلى مغارة في جبل دُنْباوَنْد، وسجنه هناك، كي يُعذَّب هناك إلى يوم القيامة (الفردوسي: الشاهنامة، ص 14 – 18). ومرة ثالثة لا نجد أيّ ذكر للكرد في قصة الضحّاك. رواية ابن الأثير ابن الأثير الجَزْري (عزّ الدين ت 630 هـ = 1233 م) مؤرخ مشهور، جمع في كتابه معظم المعلومات التي ذكرها كبار المؤرخين قبله في كتبهم، وها هو ذا يقول: " ولا أقول: إني أتيت على جميع الحوادث المتعلقة بالتاريخ، ... ولكن أقول: إنني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد، ومن تأمله عَلِم صحة ذلك " (الكامل في التاريخ، ج1، ص 2). وقال ابن الأثير في مكان آخر من مقدمة كتابه بشأن منهجه: " على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة، والكتب الشهيرة، ممن يُعلَم بصدقهم، وصحّة ما دوّنوه، ولم أكن كالخابط في ظَلْماء الليالي، ولا كمن يجمع الحَصْباء واللآلي ". (الكامل في التاريخ، ج1، ص 3). وقد ذكر هذا المؤرخ المحقق معظم الأخبار المتعلقة بالضحّاك وكاوه (كابي) وأفريدون، واتخذ روايات الطبري أصلاً، وضم إليها ما جاء في المصادر الأخرى، فذكر أن بِيوَراسْب هو الأزدهاق، وقال: " وأهل اليمن يدّعون أنّ الضحّاك منهم، وأنه أول الفراعنة، وكان مَلك مصر لما قدِمها إبراهيم الخليل، والفرس تذكر أنه منهم، وتنسبه إليهم، وأنه بِيوَراسْب بن أرْوَنداسْب بن رينكار بن وَنْدْرِيشْتَك بن يارين بن فروال بن سيامك بن ميشى بن جيومرث " (الكامل في التاريخ، ج1، ص 74). وذكر ابن الأثير قصة الحيتين، وثورة كابي (كاوه)، وتأييده لأفريدون، وانتصار الأخير على بيوراسب، وحبسه في جبل دُنباوند (الكامل في التاريخ، ج1، ص 75). وأضاف ابن الأثير قائلاً: " وبعض المجوس تزعم أنه [أفريدون] وكّل به قوماً من الجن. وبعضهم يقول: إنه لقي سليمان بن داود، وحبسه سليمان في جبل دُنباوند، وكان [دنباوند] ذلك الزمان بالشام، فما برح بيوراسب بحبسه يجرّه حتى حمله الى خُراسان، فلمّا عرف سليمان ذلك أمر الجنّ فأوثقوه [الجبل] حتى لا يزول، وعملوا عليه طِلَّسْماً كرجلين يدقّان باب الغار الذي حُبس فيه أبداً؛ لئلا يخرج، فإنه عندهم لا يموت. وهذا أيضاً من أكاذيب الفرس الباردة، ولهم فيه أكاذيب أعجب من هذا تركنا ذكرها " (الكامل في التاريخ، ج1، ص 76). وقال ابن الأثير أيضاً: " وبعض الفرس يزعم أن أفريدون قتله يوم النّيروز، فقال العجم عند قتله: إمْرُوز نَوْرُوز، أي استقبلنا الدهر بيوم جديد، فاتخذوه عيداً، وكان أسره يوم المِهْرَجان، فقال العجم: آمَد مِهْرَجان، لقتل من كان يذبح " (الكامل في التاريخ، ج1، ص 76). ويقول ابن الأثير أخيراً: " وإنما ذكرنا خبر بِيوَراسْب ها هنا لأن بعضهم يزعم أن نوحاً كان في زمانه، وإنما أرسل إليه والى أهل مملكته، وقيل: إنه هو الذي بنى مدينة بابِل ومدينة صُور ومدينة دمشق " (الكامل في التاريخ، ج1، ص 77). ومرة رابعة لا نجد أيّ ذكر للكرد في قصة الضحّاك. رواية القَلْقَشَنْدي القَلْقَشَنْدي (أحمد بن علي ت 821هـ = 1418 م)، باحث مصري موسوعي، عُني في كتابه (صُبح الأعشى في صناعة الإنشا) بذكر معلومات تفصيلية – إلى حد ما- عن طبقات ملوك بلاد آريانا (إيران) قبل الإسلام (الڤيشداديون، الكيانيون، الأشغانيون، الساسانيون)، وقد ذكر الضحّاك، وصنّفه ضمن ملوك الطبقة الأولى، وهي طبقة الملوك الڤيشداديين (بيشداذ)، وأنه صار ملكاً بعد جمشيد (جمشيذ)، وقال: " ويُعرف بالدهاك، ومعناه عشر آفات، والعامة تسميه الضحّاك؛ ومَلَكَ جميع الأرض فسار بالجَوْر والعَسف، وبسط يده بالقتل، وأحدث المُكوس والعُشور [الضرائب]، واتخذ المغنين والملاهي ". (القلقشندي: صبح الأعشى، ج 4، ص 410). وعاد القلقشندي مرة أخرى إلى ذكر قصة الضحّاك حينما ذكر دين الزردشتية (المجوسية حسبما وضّح)، فقال بشأن المجوس: " ويسخطون على بِيوَراسْب؛ وهو رابع ملوكهم: وهو الضحّاك، يقال له بالفارسية: الدهاش، ومعناه عشر آفات "، وذكر القلقشندي قصة الحيتين، وإطعامهما من أدمغة الناس، وثورة كاوه (كابي/ كابيان)، وانتصار أفريدون على الضحّاك. (القلقشندي: صبح الأعشى، ج 13، ص 297 - 298). ومرة خامسة لا نجد أيّ ذكر للكرد في قصة الضحّاك. ويبقى السؤال المهم: أين هي الحقيقة إذاً؟ هذا سيكون موضوع الحلقة القادمة. المراجع 1. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979. 2. أحمد عادل كمال: الطريق إلى المدائن، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، 1977. 3. الدكتور أمين عبد المجيد بدوي: جولة في شاهنامة الفردوسي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1976. 4. توماس طُمْسُن: الماضي الخرافي (التوراة والتاريخ)، ترجمة عدنان حسين، قَدْمُس للنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى، 2001. 5. الدكتور حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1973. 6. الزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1986. 7. الطبري: تاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1979. 8. الفردوسي: الشاهنامة، ترجمة سمير مالطي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1986 9. د. فيليب حتي، د. أدوَرد جرجي، د. جبرائيل جبّور: تاريخ العرب، دار غندور للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثامنة، 1990. 10. ابن قتيبة الدينوري: المعارف، تحقيق محمد إسماعيل عبد الله الصاوي، دار المعارف، القاهرة، ، 1969. 11. القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، تحقيق محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1987. 12. المسعودي: التنبيه والإشراف، دار التراث، بيروت، 1968. 13. المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، الطبعة الخامسة، 1973م. 14. هارڤي بورتر: موسوعة مختصر التاريخ القديم، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1991م. 15. هاملتون جب: دراسات في حضارة الإسلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1969. 16. الهمذاني (ابن الفقيه): البلدان، تحقيق يوسف الهادي، عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1996. 17. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، المجمّع الثقافي، أبو ظبي، 2001م. وإلى اللقاء في الحلقة السابعة د. أحمد الخليل في 20 – 12 - 2008 dralkhalil@hotmail.com
=====================
|
|
|
سلسلة دراسات من ذاكرة التاريخ ( الحلقة الخامسة ) الكرد في الذاكرة العربية قبل الإسلام للدكتور أحمد محمود الخليل
|
|
|
حفريات ونتائج في الحلقة الرابعة ناقشنا السؤال (هل الكرد من أصل عربي؟)، وأوصلتنا المعلومات التاريخية إلى أن الكرد ليسو من أصل عربي، وإنما هم شعب آري (هندو أوربي)، له خصوصيته الإثنية مثل باقي شعوب العالم، واقترحنا حينذاك أن نجعل السؤال كالآتي: (هل هناك جذور إثنية وثقافية مشتركة بين العرب والكرد؟)، وجدير بالانتباه إلى أن الفضاء التاريخي الذي كنا نتحرك فيه للإجابة عن السؤال الأول (هل الكرد من أصل عربي؟) لا يتجاوز أربعة عشر قرناً من الزمان، أي منذ ظهور الإسلام في بداية القرن السابع الميلادي. أما للإجابة عن السؤال الثاني فلا بد لنا من الانتقال بالبحث والتنقيب إلى فضاء تاريخي أرحب، وإلى مواقع أكثر غموضاً في تاريخ غربي آسيا، أجل، سنكون بحاجة إلى التحرك على امتداد ثلاثين قرناً قبل الميلاد (36 قرناً قبل الإسلام)، وفي جغرافيا شاسعة، تمتد من وسط آسيا شرقاً إلى نهر النيل غرباً، ومن جبال القوقاز (قفقاسيا) شمالاً إلى اليمن جنوباً. والحقيقة أنني لم أُثر السؤال الثاني على أنه مجرد (فرضية) بحاجة إلى (برهان)، وإنما لأنني لمحت في تاريخ العرب والكرد، قبل الميلاد بثلاثين قرناً، مؤشرات قليلة تُشعر بأن المسألة أكبر من أن تكون مجرد فرضية، وتشجّع المرء على متابعة الاستقصاء في هذا المجال، والبحث عن الأدلة التاريخية التي قد- إلى الآن أقول: قد- تؤكد أن ما هو مشترك بين العرب والكرد لا يقتصر على الإسلام فقط، وإنما له صلة- إلى حد ما- بالجانب الإثني أيضاً، ولعل رحلتنا في هذه السلسلة تدفعنا إلى المزيد من الحفر عميقاً في طبقات تاريخ غربي آسيا، ولعلها توصلنا بين حين وآخر إلى مؤشرات جديدة ومفيدة في هذا الاتجاه. وآمل من القراء الأعزاء ألا يتفاجأوا عندما أعدّل معلومة كنت قد أوردتها في حلقة سابقة، أو ألغي نتيجة كنت قد توصلت إليها بناءً على قرائن معيّنة، أو أتوصّل إلى نتيجة جديدة تتعارض مع نتيجة سابقة، فالحقيقة أننا أمام كمّ هائل من المصادر تمّ إنتاجها طوال أربعة عشر قرناً، ويحتاج الحفر فيها إلى سنين، هذا إذا جعلنا الحفر مقتصراً على المصادر المؤلفة بالعربية فقط. لكن كيف يكون الأمر إذا ضممنا إلى المصادر العربية مصادر مؤلفة بلغات أخرى (الهندية، الفارسية، السريانية، القبطية، الأرمنية، التركية، الإنكليزية، الألمانية، الروسية، إلخ)، ولها صلة بجغرافيا غربي آسيا وبتواريخ شعوبها؟ لا شك في أن العبء حينئذ يكون أشدّ وطأة، ومع ذلك حبذا أن يقوم من يجيد إحدى هذه اللغات بتلك المهمة، إنها في الغاية من الفائدة، ولا أشك في أن المعلومات الواردة في تلك المصادر ستجعل النتائج أكثر دقة وموضوعية. وما دمنا قد تناولنا موضوع تجدد النتائج بتجدد الحفر في المصادر أذكر أنني قلت في الحلقة الثانية من هذه السلسلة، وهي بعنوان (أصل الكرد في التراث الإسلامي 2: ملاحظات وتساؤلات) ما يلي: " فمن خلال مراجعاتي المتكررة للأدب العربي قبل الإسلام (الجاهلي)، ولا سيما الشعر- وهو دائرة تخصصي الأكاديمي إلى جانب الأدب العربي في صدر الإسلام- لم أجد أيّ ذكر للكرد، لا من قريب ولا من بعيد، وهذا يعني أن العرب- خاصّتهم وعامّتهم- ما كانوا يمتلكون، قبل الإسلام، معلومات عن الكرد ". وصحيح أنني التزمت بالدقة عندما أضفت قائلا: " أو أنهم كانوا يمتلكون معلومات قليلة جداً، ولم يعرفوهم عن قرب إلا مع بدء الفتوحات الإسلامية على الجبهة الشرقية، والصراع مع الدولة الساسانية الفارسية ". لكنني لم أكن حذراً بما فيه الكفاية عندما أطلقت النتيجة الأولى، وكان عليّ أن أقيّدها بعبارة (إلى الآن) فتصبح العبارة كالآتي: " لم أجد- إلى الآن- أيّ ذكر للكرد، لا من قريب ولا من بعيد ". ولو فعلت ذلك لكنت موضوعياً ودقيقاً تماماً؛ أقول هذا لأنني وجدت خلال الحفر في المصادر التراثية ثلاث معلومات جديدة، لها صلة بالكرد في الذاكرة العربية قبل الإسلام، وفاتني أن أذكر معلومة رابعة كنت أعرفها منذ بضع سنوات، وتلك المعلومات دليل على أن بعض النتائج لا تصبح نهائية ومؤكدة، أو شبه نهائية وشبه مؤكدة على أقل تقدير، إلا بعد الانتهاء من التنقيب في المصادر. والمعلومات المشار إليها هي موضوع حلقتنا هذه، فماذا عنها؟ السلاح الميدي قال الشاعر اليَثْرِبي عبد الله بن رَواحَة (من مشاهير الصحابة في الإسلام) يردّ على منافسه الشاعر اليَثْرِبي قَيْس بن الخَطِيم، قبل الإسلام (الكامل في التاريخ، ج 1 / ص 683): ومُعْتَرَكٍ ضَنْكٍ يُرى الموتُ وَسْطَه مَشينا له مَشْيَ الجِمـال المَصاعِب برَجْلٍ تَرى المـاذِيَّ فوق جلودهم وبَيضاً نَقيّاً مثلَ لــون الكواكب [ معترك: معركة. ضنك: حامية جداً. المصاعب: جمع مُصْعَب، وهو الفحل القوي الذي لا يُركب، ويُترك للفحولة، وبه سمّى العرب اسم مُصْعًب، ومنهم مُصعب بن الزُّبَيْر بن العَوّام. رَجْل: مقاتلون مشاة. الماذيّ: السلاح. بَيض: جمع بيضة، أي خوذة]. وجاء في (لسان العرب، مادة حقب) لابن منظور (ت 711 هـ) قول النابغة الذُّبياني (شاعر جاهلي) يمدح بعض العرب: مُسْتَحْقِبِي حَلَقِ الماذِيِّ يَقْدُمُهم شُمُّ العَرانِينِ ضَرَّابُونَ لِلهـامِ [ مستحقب: حامل معه. حلق الماذي: السلاح. العرانين: الأنوف. الهام: الرؤوس]. وبالعودة إلى معجم (لسان العرب، مادة مَذَيَ) نجد ما يلي: - " المَذْيُ البَلَل اللَّزِج الذي يخرج من الذكر عند مُلاعبة النساءِ ". - " المِذاء أَن تَجْمع بين رجال ونساء، وتتركهم يلاعب بعضهم بعضاً". - " المَذاء: الدِّياثة، والدَّيُّوث الذي يُدَيِّث نفسَه على أَهله فلا يبالي ما يُنال منهم ". - " الماذِيُّ: العسَل الأَبيض ". - " الماذِيَّةُ: الخَمْرة السهلة السَّلِسة شُبّهت بالعسل ". - " الماذِيَّةُ: من الدروع البيضاء ودِرْعٌ ماذِيَّة سهلة ليِّنة". - " الماذِيُّ: السلاح كله من الحديد. ... الماذيُّ الحديد كله؛ الدِّرْع والمِغْفَر والسلاحُ أَجمع، ما كان من حديد فهو ماذيٌّ ... ويقال الماذِيُّ: خالص الحديد وجَيِّدُه ". وفي معجم (تاج العروس، مادة موذ) للزبيدي (ت 1205 هـ) نجد ما يلي: - " المَاذِيُّ : العَسَلُ الأَبْيضُ ". - " والماذِيُّ : الدِّرْعُ اللَّيِّنَةُ السَّهْلَةُ ". - " والماذِيُّ : السِّلاَحُ كُلُّه الدِّرْعُ والمِغْفَرُ وغيرُهما ". - " والمَاذِيَّةُ : الخَمْرُ ". والمعروف في اللغة العربية أن الأسماء والأفعال تقوم على الجذور الثلاثية، وأن الصيغ المشتقة من الجذر اللغوي الواحد يتضمن كلٌّ منها شيئاً ما من المعنى الأصلي للجذر، ولنأخذ على سبيل المثال الجذر اللغوي (ج ن ن)، فجميع الكلمات المشتقة منها تشتمل، بمستويات مختلفة، على معنى (الاستتار والغموض)، وإليكم مشتقات ذلك الجذر ومعنى كل مشتق: - الجِنّيّ: غير المرئي وهو عكس الإنسي (المرئي). - الجَنين: الولد ما دام في بطن أمه. - المجنون: الذاهب العقل. - الجَنّة: المكان الكثيف الشجر، فيستتر ما بداخله ولا يظهر. - الجُّنّة: الدرع تستر جسم لابسه. - الجِنّة: الجنون، والجِن. - المِجَنّة: التُّرْس. - جَنّ الليل: أظلم. - اجتنّ: استتر. وتعالوا نطبّق هذه القاعدة على ما أدرجه ابن منظور والزبيدي ضمن مشتقات الجذر اللغوي (م ذ ي) و( م و ذ)، سنجد أن البون شاسع بين بعض تلك المشتقات، وإذا كنا نجد وجهاً للتشابه بين (المَذْي) و(الماذِيّ، بمعنى العسل) و(الماذِيّة بمعنى الخمرة) من حيث الليونة والبياض، فلا أدري كيف يمكن التوفيق بين معاني هذه الكلمات من حيث الطعم، لا بل إن التوفيق يبدو صعباً حينما نصل إلى كلمة (الماذيّة بمعنى الدرع البيضاء)، ويصبح ضرباً من المُحال حينما نصل إلى كلمة (الماذيّ بمعنى السلاح المصنوع من الحديد الخالص الجيد). حسناً، إذاً ما الذي جعل ابن منظور والزبيدي وغيرهم من اللغويين يدرجون بعض الكلمات الغريبة ضمن أسرة لغوية معيّنة (جذر لغوي)؟ هنا ينبغي أن نأخذ في الحسبان أن لغة كل شعب هي جزء جوهري من هويته، كما أنها بنية أصيلة من ثقافته في عصور التكوين، بل لعلها أكثر تلك البنى أصالة، ولعلها أصدقها تجسيداً لملامح تلك الثقافة، وأقدرها على الصمود في وجه التقلّبات والتحوّلات عبر القرون، وقل الأمر نفسه في اللغة العربية، إنها تحمل في طيّاتها ملامح الثقافة العربية في عهود التكوين الأولى، فالفرد يحمل جنسية القبيلة، ومبرّر حمله لتلك الجنسية هو أن يكون له موقع في سلسلة نسب القبيلة. وماذا إذا لجأ أحد الغرباء إلى القبيلة، وعاش فيها، وقررت قادة القبيلة منحه جنسية القبيلة لسبب أو لآخر؟ ها هنا يحصل (الدخيل) على الجنسية عبر آلية (الإلحاق)، ويأخذ (الإلحاق) أحياناً شكل (الموالاة)- بالكردية (كِرِيفْ Kirîf) فيما أعلم- وبموجب هذه الآلية يفوز الغريب بجنسية القبيلة. وهذا ما فعله اللغويون في المجال اللغوي، فالكلمات التي تنتسب إلى الجذر اللغوي في الأصل تحمل جنسية (الجذر اللغوي) بالأصالة، أما الكلمات الدخيلة فمنحوها جنسية الجذر اللغوي بالإلحاق، ومثال ذلك: - كلمة (زَنْجَبيل) غير | |